تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وسلم - من وقعة بدر ومعه الأسرى والغنائم ، وقد قتل الله رؤوس المشركين ، تلقّاه الناس من ظاهر المدينة عن أميال فجعلوا يهنئونه بالفتح ، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضا عمن هلك وسلم ، فقال بعض الصحابة : والله ما قتلنا إلا عجائز صلعا . فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باللوم ولم يزل كالمعرض عنه ، ثم قال له : أولئك يا ابن أخي الملأ . ومن مليح ما رأيت في هذا المعنى ، قول حكيم الهند لبعض ملوكهم : لا تحقرنّ أمر الأعداء وإن صغروا ، فإن الزبير [ 1 ] إذا جمع جعل منه حبل يشدّ به الفيل . وإغباب [ 2 ] الرأي من الأمور المهمّة . وأجود الرأي ما وقع فيه التأني والتثبّت ، وبذلك يؤمن زلل الرّأي . قال الأحنف بن قيس [ 3 ] لأصحاب عليّ - عليه السلام - أغبّوا [ 4 ] الرأي فإنّ إغبابه يكشف لكم عن محضبه . واستشير بعض العقلاء في أمر فسكت ، فقيل له : لم لا تتكلم ؟ فقال : ما أحبّ الخبز إلا بائتا [ 5 ] ، ولما عزم الخوارج على مبايعة عبد الله بن وهب [ 6 ] فرغوا من البيعة قال : اتركوا الرأي يغبّ - أي يأتي عليه يوم وليلة - وكان يستعيذ باللّه من الرأي الفطير . [ 7 ] قالوا : مرّ الحارث بن زيد بالأحنف بن قيس ، فقال له : لولا أنّك عجلان لشاورتك
هامش
[ 1 ] الزّئبر : ما يظهر من درز الثوب . وهو أو هي الخيوط أو نتافتها . وبلغة العوام ، الزّغبر . [ 2 ] إغباب الرأي : تأجيل إنفاذه ، والتمهّل فيه . [ 3 ] الأحنف بن قيس : أبو بحر التميميّ - داهية وفصيح وحليم وصاحب رأي ومشورة . توفي في الكوفة / 72 / ه . [ 4 ] أغبّوا الرأي : بينوه . تريثوا في إصداره . [ 5 ] الخبز البائت : هنا ، استعارة للرأي المبيّت ، بلا استعجال في إنفاذه . [ 6 ] عبد الله بن وهب الراسبيّ : زعيم الخوارج من الأزد ، قتل في معركة النهروان في حربه مع عليّ / 38 / ه . [ 7 ] الفطير : ضدّ الناضج ، الفجّ .