تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
والمسعيّ إليه ، لأنهما أهلكا دينهما بما فعلاه . والمسعى به لتعجّله العقوبة . فعمّ الضرر الثلاثة ، ومما جاء في ذلك في التنزيل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ 49 : 6 [ 1 ] ومما جاء في الحديث : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يرفعن إلينا عورة [ 2 ] أخيه المسلم » . رفع إنسان إلى يحيى بن خالد [ 3 ] بن برمك قصّة يقول فيها : إنه قد مات رجل تاجر غريب ، وقد خلّف جارية حسناء وولدا رضيعا ، ومالا كثيرا ، والوزير أحقّ بهذا . فكتب يحيى بن خالد على رأس القصّة : أما الرّجل فرحمه الله . وأما الجارية : فصانها الله ، وأما الطّفل : فرعاه الله . وأما المال : فثمّره الله . وأما الساعي إلينا بذلك : فلعنه الله . قيل : لما تولى عبد العزيز بن مروان [ 4 ] دمشق - ولم يكن في بني أمية ألبّ منه وكان حدث السنّ - طمع فيه أهل دمشق ، وقالوا : صبيّ لا علم له بالأمور ، وسيسمع كلّ ما نقول له فقام إليه رجل وقال : أصلح الله الأمير . نصيحة ! ! فقال : ليت شعري ما هذه النصيحة ، التي قد ابتدأتني بها من غير يد سبقت مني إليك ؟ هات نصيحتك . قال : لي جار وهو عاص خالع للطاعة - وذكر له عيوبا - فقال له عبد العزيز : إنّك أيها الرجل ما اتّقيت الله تعالى ، ولا أكرمت أميرك ولا حفظت جوارك ! إن شئت نظرنا فيما تقول ، فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا ، وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن استقلتنا أقلناك . فقال : بل أقلني أيها الأمير ، قال : اذهب حيث شئت ، لا صحبك الله ، إنّي أراك شرّ رجل ! .
هامش
[ 1 ] سورة الحجرات ، الآية / 6 / . [ 2 ] العورة : هنا ، ما يكره المرء الاطّلاع عليه من قبل غيره . [ 3 ] يحيى بن خالد بن برمك : أبو الفضل وجعفر ، وقد كان مربّيا وكاتبا للرشيد ثم استوزره ومن بعده ولداه حتى كانت نكبة البرامكة المشهورة . مات سجينا في الرقّة سنة / 190 / ه . [ 4 ] عبد العزيز بن مروان : المعروف أنه ولي مصر لأبيه مروان بن الحكم الأموي واستمرّ إلى أن توفي عام / 85 / ه وهو والد الخليفة عمر بن عبد العزيز .