تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
بعض الأيّام أحضرت بين يدي الوزير جملة من الثياب النسيج ، بعضها صحيح وبعضها مقطوع ، فأحضر القمّي بين يديه ليثبت عددها ويحملها إلى الخزانة ، وكان الوزير يورد عليه كذا وكذا ثوبا صحاحا فيكتب القمّي كذا وكذا ثوبا ، وما يكتب لفظة « صحاحا » ، فقال له الوزير : لم لا تكتب كما أقول لك ؟ فقال : يا مولانا لا حاجة إلى ذكر الصّحاح ، فإنّي إذا وصلت إلى ذكر ثوب مقطوع ذكرت تحته أنّه مقطوع ، فتخصيص المقطوع بالذكر يدلّ على أنّ ما لم يوصف بالقطع صحيح فقال الوزير : لا بل اكتب كما أقول لك فراجعه القمّي ، فحرد [ 1 ] الوزير لذلك ، وارتفع صوته والتفت إلى الحاضرين وقال : أنا عزلت الكتّاب الكبار الذين كانوا عندي لأجل مخالفتهم ولجاجهم فيما أقوله واستكتبت هذا الصبي ظنّا منّي أنه لحداثة سنّه لا يكون عنده من التجرّؤ والمخالفة ما عندهم ، فإذا هو أشدّ مخالفة من أولئك ، فخرج بعض خدّام السّلطان من بين يديه - وكان جالسا قريبا من مجلس الوزير - وسأل عن كثرة الصّياح وحرد الوزير ، فعرّف الخادم صورة ما جرى بين الوزير والقمّي فدخل وحكى للسلطان ما قيل ، فقال له : اخرج وقل للوزير الحقّ ما أعمده [ 2 ] الصبيّ الكاتب ، وصار الخادم يستشيره ويسكن إليه ويأنس به ، فاتّفق أنّ السلطان عيّن على هذا الخادم وعلى رجل آخر ليتوجّها في رسالة إلى ديوان الخليفة ، فالتمس الخادم أن يكون القمّي صحبته ، فتوجّهوا إلى بغداد وحضر الخادم ورفيقه عند الوزير ابن القصّاب فشافهاه بالرّسالة وسمعا الجواب ، وكان جوابا غير مطابق للرسالة ولكنه كان نوعا من المغالطة ، فقنع الخادم ورفيقه بذلك الجواب ، وما تنبها على فساده ، وخرجا فرجع القمي ووقف بين يدي الوزير وحادثة سرا وقال له : يا مولانا الجواب غير مطابق لما أنهاه المماليك ، فقال له الوزير : صدقت ولكن دعهم على غباوتهم ولا تفطنهم إلى ذلك ، فقال السمع والطاعة ، ثم إن ابن القصاب كتب إلى الخليفة يقول له : إنه قد وصل إلى صحبة خادم السلطان فلان
هامش
[ 1 ] حرد : غضب . [ 2 ] أعمده : « كذا في ألما ص / 377 / ، وهي اعتهده في رحما ص / 238 / ، وفي طبعة بيروت ص / 327 / . ولعل الصّواب أعدّه أو أعتمده ومعناها أقرّه وارتضاه » . المحقق .