تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨

ثمّ ملك بعده ابنه الإمام الناصر لدين الله أبو العبّاس أحمد بن المستضيء بأمر الله

بويع بالخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة . كان الناصر من أفاضل الخلفاء وأعيانهم ، بصيرا بالأمور مجرّبا سائسا ، مهيبا مقداما ، عارفا شجاعا ، متأيّدا حادّ الخاطر والنادرة ، متوقّد الذكاء والفطنة ، بليغا غير مدافع عن فضيلة علم ، ولا نادرة فهم ، يفاوض العلماء مفاوضة خبير ، ويمارس الأمور السّلطانيّة ممارسة بصير ، وكان يرى رأي الإماميّة [ 1 ] ، طالت مدّته ، وصفا له الملك وأحبّ مباشرة أحوال الرعيّة بنفسه ، حتّى كان يتمشّى في الليل في دروب بغداد ليعرف أخبار الرعيّة وما يدور بينهم ، وكان كلّ أحد من أرباب المناصب والرّعايا يخافه ويحاذره بحيث كأنه يطلع عليه في داره ، وكثرت جواسيسه وأصحاب أخباره عند السّلاطين وفي أطراف البلاد ، وله في مثل هذه قصص غريبة ، وصنّف كتبا ، وسمع الحديث النبويّ - صلوات الله على صاحبه - وأسمعه ، ولبس لباس الفتوة وألبسه وتفتّى له خلق كثيرون من شرق الأرض وغربها ورمى بالبندق [ 2 ] ورمى له ناس كثيرون ، وكان باقعة زمانه ورجل عصره في أيامه انقرضت دولة آل سلجوق بالكلّية وكان للناصر من المبارّ والوقوف ما يفوت الحصر وبنى من دور الضيافات والمساجد والرّبط [ 3 ] ما يتجاوز حدّ الكثرة ، وكان مع ذلك يبخّل ، وكان وقته مصروفا إلى تدبير أمور المملكة وإلى التولية والعزل والمصادرة وتحصيل الأمور ، يقال عنه : إنه ملأ بركة من الذّهب فرآها يوما وقد بقي يعوزها حتى تملأ وتفيض شيء يسير ، فقال : ترى أعيش حتّى أملأها ، فمات قبل ذلك ، ويقال إنّ المستنصر شاهد هذه البركة فقال : ترى أعيش حتّى أفنيها ! وكذلك فعل ، مات الناصر في سنة اثنتين وعشرين وستّمائة .
هامش
[ 1 ] الإماميّة : فرقة من الشّيعة . [ 2 ] البندق : كرات من الرّصاص ، ومنها البندقيّة التي اخترعت فيما بعد لرمي الرصاص أو البندق . [ 3 ] الرّبط : النّزل تربط بها الخيول للاستراحة والمبيت .