تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣

وزارة ابن جهير

كان فخر الدولة من عقلاء الرّجال ودهاتهم ، كان في ابتداء أمره فقيرا مدقعا وترامت به الأسباب ، فمن مبادئها : أنّه كان جالسا بالكوخ يوما ، فعبر عليه غسّال ممّن يغسل بالخربات ومعه فصوص عتق قد استحالت ألوانها ، فاشتراها منه بثلاثة دنانير وجلا بعضها ، فخرج أحدها ياقوتا أحمر ، وخرج الآخر فيروزجا جيّدا فصاغ لكلّ واحد منهما خاتما من ذهب . ثم إنه تقلّبت به الأمور حتى مضى في رسالة إلى ملك الرّوم فأهدى إليه الخاتمين ، فأعطاه عشرين ألف دينار ، فكانت أصل غناه ونعمته ، ثم تنقّل في الخدمات حتى اتّصل بابن مروان صاحب ديار بكر [ 1 ] فخدمه مدّة وأثرى [ 2 ] عنده ثروة ضخمة ، فسمت همّته إلى وزارة الخليفة ، فأرسل سرّا إلى القائم ، وعرض عليه نفسه ، وبذل له ثلاثين ألف دينار ، فأرسل القائم بعض خواصّه في رسالة إلى ابن مروان ، وكان غرضه من إرسال ذلك الرّسول أن يجتمع بفخر الدولة سرّا ، وقرّر معه ما أراد ، ثمّ لمّا أراد الرسول الرجوع إلى بغداد خرج فخر الدولة كأنه يودّعه ، فانحدر معه إلى بغداد ، وكان قبل ذلك قد فرّق أمواله بالبلاد وأنفذ منها شيئا إلى بغداد . فلمّا وصل الرّسول إلى بغداد ، وصحبته فخر الدولة ، أرسل القائم إليه أصحابه يتلقونه ، ثم خلع عليه خلع الوزارة ، ونهض فخر الدولة بأمور الوزارة أحسن نهوض . وكانت الأطراف المتاخمة للعراق عاصية على الخليفة ، وكان ملوكها أصدقاء فخر الدّولة ، فكاتبهم وراسلهم ، واستمالهم فدخلوا في طاعة الخليفة ثمّ عزل فخر الدولة عن الوزارة ، بسبب كدر جرى بينه وبين نظام الملك وزير السّلطان ثم أعيد فخر الدّولة إلى الوزارة ، ولمّا أعيد إلى منصبه قال ابن الفضل الشاعر يمدحه :
هامش
[ 1 ] ديار بكر : بلاد أقصى شرق الأناضول . [ 2 ] أثرى : زاد ماله واغتنى .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 283 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو