تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
فأنشدهما عبد العزيز بحضرة الصاحب وادّعاهما ، وخفي الأمر على الصّاحب وما أدري من أيّهما أعجب ؟ ! أمن الصّاحب كيف خفي عنه حال عبد العزيز مع أنه السنين الطويلة يعاشره في سفر وحضر ، وجدّ وهزل ؟ أم من عبد العزيز كيف رضي لنفسه مثل هذه الرّذيلة ، وأقدم على مثل هذا مع الصاحب وما خاف من تنبّه الصاحب واسترذاله لفعله . وتختلف علوم الملوك باختلاف آرائهم ، فأمّا ملوك الفرس : فكانت علومهم حكما ووصايا ، وآدابا وتواريخ ، وهندسة وما أشبه ذلك . وأما علوم ملوك الإسلام فكانت علوم اللسان ، كالنّحو واللّغة ، والشّعر والتواريخ ، حتّى إنّ اللحن كان عندهم من أفحش عيوب الملك ، وكانت منزلة الإنسان تعلو عندهم بالحكاية الواحدة وبالبيت الواحد من الشّعر ، بل باللفظة الواحدة من اللغة . وأما في الدولة المغوليّة : فرفضت تلك العلوم كلّها ، ونفقت فيها علوم أخر : وهي علم السياقة والحساب لضبط المملكة وحصر الدّخل والخرج ، والطّب لحفظ الأبدان والأمزجة ، والنجوم لاختيار الأوقات وما عدا ذلك من العلوم والآداب فكاسد عندهم ، وما رأيته نافقا إلا بالموصل في أيام ملكها المشار إليه ، مدّ الله ظلّه ونشر فضله . ومنها الخوف من الله تعالى ، وهذه الخصلة هي أصل كلّ بركة ، فإن الملك متى خاف الله أمنه عباد الله روي أن عليّا أمير المؤمنين - عليه السلام - استدعى بصوته بعض عبيده فلم يجبه ، فدعاه مرارا فلم يجبه ، فدخل عليه رجل ، وقال : يا أمير المؤمنين إنّه بالباب واقف ، وهو يسمع صوتك ولا يكلّمك ! فلمّا حضر العبد عنده ، قال : أما سمعت صوتي ؟ قال : بلى ، قال : فما منعك من إجابتي ؟ قال : أمنت عقوبتك ، قال عليّ عليه السّلام : الحمد للّه الّذي خلقني ممّن يأمنه خلقه . وما أحسن قول أبي نواس [ 1 ] لهارون الرشيد :
هامش
[ 1 ] أبو نواس : الحسن بن هانئ الشاعر العبّاسي الأشهر ونديم الخليفة الرشيد . توفّي عام / 195 / ه .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 25 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو