تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
أغلظهنّ [ 1 ] ، ثمّ يقول : يا غلام : ارفع فوالله ما شبعت ، ولكن مللت . وروي أنه أصلح له عجل مشويّ فأكل معه دستا [ 2 ] من الخبز السّميذ [ 3 ] ، وأربع فراني [ 4 ] وجديا حارا ، وآخر باردا سوى الألوان ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلي [ 5 ] الرّطب فأتى عليه وأما شحّه على الأكل : فإنّ ابن أبي بكرة دخل عليه ومعه ابنه ، فجعل ابنه يأكل أكلا مفرطا ، ومعاوية يلحظه وفطن ابن أبي بكرة لحنق معاوية - رضي الله عنه - ففي الغد حضر الأب وليس معه ابنه ، فقال له معاوية : ما فعل ابنك ؟ قال : يا أمير المؤمنين : انحرف مزاجه . قال : قد علمت أنّ تلك الأكلة ما كانت تتركه حتى تهيضه وها هنا موضع حكاية حسنة ، تدلّ على كرم ومروءة ونبل : كان بعض الوزراء مشغوفا بالأكل ، ويحب كلّ من يأكل معه وكلّ من كان أكثر أكلا كان أقرب إلى قلبه فاتّفق أنه قصده بعض الأكابر من العلويّين وكل عليه [ 6 ] وجوها من خراج وضمان وغير ذلك ، وطلبه بها ، فوكل عليه في نفس داره أعني دار الوزير . ففي بعض الأيّام مدّ السّماط بين يدي الوزير ، فقال العلويّ للموكلين به : إنّي جائع ، فهل تأذنون أن أخرج إلى السّماط وأنتم معي ، فآكل وأعود إلى هذا الموضع ؟ وكان العلويّ قد فطن لطبع الوزير في ذلك ، فاستحيوا منه ، وأذنوا له في ذلك فخرج ، وجلس في أخريات السّماط وجعل يأكل بينهم فلحظه الوزير وهو مقبل على الأكل ، فاستدناه ورفعه إلى صدر المجلس وقدّم له من أطائب ذلك الطعام . ولما بالغ في الأكل زادت بشاشة الوزير وطلاقته . فلمّا رفع الطعام استدعى الوزير كانونا فيه نار ، وأحضر الحساب الّذي رفع على الرجل به ، وقال : أيّها السيّد : قد أراحك الله من هذا المال ، وأنت في
هامش
[ 1 ] أغلظ الأكلات : أدسمها وأثقلها على المعدة . [ 2 ] دستا : مجموعة ، والكلمة فارسية آلت إلى دستة في الاستعمال الدارج . [ 3 ] السّميذ : الدقيق الأبيض . [ 4 ] الفرانيّ : أقراص الخبز السّميك المستدير . [ 5 ] الباقلّى : القول . [ 6 ] وكل عليه : فرض عليه .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 114 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو