تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
وممّا اخترع معاوية - رضي الله عنه - من أمور الملك : ديوان الخاتم . وهذا ديوان معتبر من أكبر الدواوين ، ولم تزل السنّة جارية به إلى أواسط دولة بني العبّاس فأسقط ، ومعناه : أن يكون ديوان ، وبه نوّاب فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور ، أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان ، وأثبتت نسخته فيه ، وحزم بخيط وختم بشمع - كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة - وختم بخاتم صاحب ذلك الديوان . وكان الّذي حمل معاوية - رضي الله عنه - على اختراع هذا الديوان ، أنّه أحال رجلا على زياد بن أبيه أمير العراق بمائة ألف درهم ، فمضى ذلك الرجل وقرأ الكتاب ( وكانت تواقيعهم تصدر غير مختومة فجعل المائة مائتين ) فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية - رضي الله عنه - أنكر معاوية ذلك ، وقال : ما أحلته إلا بمائة ألف ، ثم استعادها منه ووضع ديوان الخاتم ، فصارت التواقيع تصدر منه مختومة ، لا يدري أحد ما فيها ، ولا يتمكّن أحد من تغييرها . وكان معاوية - رضي الله عنه - مصروف الهمّة إلى تدبير أمر الدنيا ، يهون عليه كلّ شيء إذا انتظم أمر الملك . فانظر إلى وصف عبد الملك بن مروان له ، فإنه لحظ فيه هذا المعنى . قالوا : إنّ عبد الملك بن مروان مرّ بقبر معاوية - رضي الله عنه فترحّم عليه ، فقال له رجل : قبر من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : « قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم ، ويسكت عن حلم . كان إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى » ووصفه أيضا عبد الله بن العباس - وكان من النقّاد - فقال : « ما رأيت أليق من أعطاف [ 1 ] معاوية بالرّياسة والملك » . وقال له بعض بني أمية : « والله لو قدرت أن تستكثر [ 2 ] بالزّنج لاستكثرت بهم لينتظم لك أمر الملك » . وكان معاوية - رضي الله عنه - نهما شحيحا عند الطّعام ، على كرمه وسماحته . فأمّا نهمّه . فقالوا : إنه كان يأكل في كلّ يوم خمس أكلات أخرهنّ
هامش
[ 1 ] الأعطاف : الأكتاف ، وهي أبرز مواضع الثوب من البدن . [ 2 ] تستكثر : تكثّر أعوانك وجندك .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 113 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو