تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
فلم يقل له شيئا . وهذا من أجل ما كانوا يخاطبونه به ! . وبعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها الأنصاريّ ، وقال لابنه : خذها وامض إلى معاوية ، فاضرب بها وجهه ، وردّها عليه . وأقسم على ابنه أن يفعل ذلك . فجاء ابنه إلى معاوية ومعه الدراهم ، قال : يا أمير المؤمنين : إن أبي فيه حدّة وسرعة . وقد أمرني بكيت وكيت ، وأقسم عليّ ، وما أقدر على مخالفته . فوضع معاوية يده على وجهه وقال : افعل ما أمرك أبوك وارفق بعمّك . فاستحيا الصبيّ ورمى بالدراهم ، فضاعفها معاوية وحملها إلى الأنصاري . وبلغ الخبر يزيد ابنه ، فدخل على معاوية غضبان وقال : « لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا » فقال معاوية : « أي بنيّ : إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة ، فامض لشأنك ، ودعني ورأيي » وبمثل هذه السيرة صار خليفة العالم وخضع له من أبناء المهاجرين والأنصار ، كلّ من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة . وكان معاوية - رضي الله عنه - من أدهى الدهاة : روي أنّ عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - قال لجلسائه : تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما ، وعندكم معاوية ؟ ! ومن دهائه ما اعتهده من استمالة عمرو بن العاص . وكان عمرو بن العاص أحد الدهاة ، وكان أوّل ما نشبت الفتنة بين أمير المؤمنين عليّ - عليه السّلام - ومعاوية معتزلا للفريقين ، فرأى معاوية أن يستميله ويتقوّى برأيه ، ودهائه ومكره فاستماله ووصل حبله بحبله [ 1 ] وولاه مصر ودخل معه في تلك المداخل ، وفعل في صفين تلك الأفاعيل . ولم يكن بينهما مع ذلك مودّة قلبيّة ، وكانا يتباغضان سرّا ، وربّما ظهر ذلك على صفحات وجوههما . وفلتات ألسنتهما : طلب أمير المؤمنين - عليه السّلام - في صفّين [ 2 ] من معاوية أن يخرج إلى مبارزته فقال له عمرو بن العاص - رضي الله عنه - : قد أنصفك ولا يحسن بك النكول عن مبارزته فقال له معاوية : غششتني وأحببت قتلي . ألست تعلم أن ابن
هامش
[ 1 ] وصل حبله بحبله : كناية عن العلاقة والاتّصال . [ 2 ] صفّين : معركة سبق ذكرها ، وقعت بين عليّ وأنصاره من جهة وبين معاوية وأنصاره من جهة أخرى . وأعقبها قبول عليّ للتحكيم مكرها . وكان ذلك عام / 37 / ه .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 111 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو