بالكلام عن محمد طاهر البروسلى ( 1278 ه - 1344 ه - 1861 - 1925 ) الذي يقدم لنا في مصنفاته الببليوغرافية حصيلة ذلك الفرع من الأدب أي التاريخ ؛ ونحن بدورنا أيضا نجد لأنفسنا الحق في أن نختتم به عرضنا للأدب الجغرافي التركي 317 ففي سفره الضخم المعروف الذي ظهر في ثلاثة أجزاء في الفترة 1334 ه - 1343 ه - 1915 - 1925 يترجم محمد طاهر لكبار علماء الدولة العثمانية من المشايخ والفقهاء والشعراء والأدباء والمؤرخين والأطباء وعلماء الرياضيات والجغرافيين . - - وهو يولى هؤلاء الأخيرين عناية خاصة ؛ فقد استشعر اهتماما معينا بذلك الفرع من الأدب وحدث أن وضع ترجمة لسيرة حياة حاجى خليفة . ومن المستحيل القول بأنه من ممثلى النزعة العلمية الجديدة فهو قد اقتفى أثر القدماء ، من أصحاب معاجم السير ومؤلفي « التذكرات » ، بل إن كتابه يعد خاتمة لسلسلة المؤلفات من هذا الضرب . وميله إلى هذه الموضوعات أمر لا يرقى إليه الشك ، كما أن محاولته لإثبات أن الأتراك لم يكونوا شعبا محروما من الثقافة تنطوى على شعور نبيل ، ويمكن القول بأنه قد وفق في التدليل على ذلك بطريقة مقنعة ؛ ولكن من ناحية أخرى قد لوحظ أكثر من مرة أن إشاراته إلى أسماء الكتب لا تخلو من الخطأ وأن كتابه من هذه الزواية لا يرقى إلى مرتبة المؤلفات الببليوغرافية الكبرى ولو أن هذا لا يحول دون اعتباره المرجع الوحيد في سير ومصنفات كبار المؤلفين العثمانيين . ومن الطريف بالنسبة لنا أن نلاحظ أن مذهبه في عرض الأدب الجغرافي في القرن العشرين لا يرتبط فقط بمذهب حاجى خليفة في القرن السادس عشر أو ياقوت في القرن الثالث عشر بل كذلك بمذهب ابن النديم في القرن العاشر الميلادي .
من هذا يتضح لنا أنه على الرغم من دخول المادة الجديدة واعتناق العلماء الأتراك لمناهج البحث الحديثة فإن المذهب العربي القديم قد ظل حيّا بين العثمانيين حتى السنوات العشرينات من القرن العشرين ؛ وهذه الظاهرة الأخيرة تبرر لنا مرة أخرى ضرورة معالجة الأدب الجغرافي التركي في عرض عام للأدب الجغرافي العربي لا تلك القرون وحدها فحسب حين كانت الصلة بين الاثنين واضحة للعيان بل كذلك في العهد الذي حدث فيه الانفصام التام عن المنهج الشرقي في كافة الاتجاهات وحين بدا أن التأثير الغربى الأوربى قد طرده نهائيا من مسرح الحوادث . ويلوح أن الأمر لم يكن بمثل هذه البساطة ، إذ بمقدورنا أن نلاحظ ظهور براعم جديدة لهذه المذاهب القديمة حتى في أيامنا هذه تعلن عن حقها في البقاء ولا تفتقر في واقع الأمر إلى بعض القيمة العلمية . وهذا هو السبب كما ذكرنا الذي حدا بنا لأن نفرد قسما خاصا في عرض عام للأدب الجغرافي العربي نعالج فيه الكلام على الأدب الجغرافي التركي كما فعلنا من قبل مع رصيفه باللغة الفارسية .
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 666
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٦٦