ثم أخبر عن طعام الشقي ، فقال : * ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) * [ آية : 6 ] وهي
شجرة تكون بمكة كثيرة الشوك لا تقربها دابة في الأرض من شوكها ، ولا يستطيع أحد
أن يمسها من كثرة شوكها ، وتسميها قريش ، وهي رطبة في الربيع الشبرق ، وتصيب
الإبل من ورقها في الربيع ما دامت رطبة ، فإذا يبست لم تقربها الإبل ، وما من دابة في
الأرض من الهوام والسباع ، وما يؤذى بني آدم إلا مثلها في النار سلطها الله عز وجل
على أهلها ، لكنها من نار ، وما خلق الله شيئاً في النار إلا من النار ، ثم قال : * ( لا يسمن ولا يغني من جوع ) * [ آية : 7 ] فإنهم لا يطعمون من أجل الجوع ، وإنما من أجل العذاب .
ثم ذكر أولياءه من أهل طاعته ، فقال : * ( وجوه يومئذ ناعمة ) * [ آية : 8 ] يعنى فرحة
شبه الله عز وجل وجوههم بوجوه قوم فرحين ، إذا أصابوا الشراب طابت أنفسهم ،
فاجتمع الدم في وجوههم ، فاجتمع فرح القلوب وفرح الشراب ، فهو ضاحك الوجه
مبتسم طيب النفس ، ثم قال : * ( لسعيها راضية ) * [ آية : 9 ] يعنى قد رضى الله عمله ،
فأثابه الله عز وجل ذلك بعمله .
قال : * ( في جنة عالية ) * [ آية : 10 ] وإنما سمها عالية لأن جهنم أسفل منها ، وهي
دركات ، والجنة درجات ، ثم قال : * ( لا تسمع فيها لغيةً ) * [ آية : 11 ] يقول : لا يسمع
بعضهم من بعض غيبة ، ولا كذب ، ولا شتم ، قوله : * ( فيها عين جارية ) * [ آية : 12 ] يعنى
في الجنة لأنها فيها تجري الأنهار * ( فيها سرر مرفوعة ) * [ آية : 13 ] منسوجة بقضبان الدر
والذهب عليها سبعون فراشاً ، كل فراش قدر غرفة من غرف الدنيا ، فذلك قوله : * ( سرر مرفوعة ) * .
وأكوابٌ موضوعةٌ ) * [ آية : 14 ] يعنى مصفوفة وهي أكواب من فضة ، وهي من الصفاء
مثل القوارير مدورة الرؤوس ليس لها عرى ولا خراطيم ، * ( ونمارق مصفوفةٌ ) * [ آية : 15 ]
يعني الوسائد الكبار العظام مصفوفة على الطنافس ، وهي بلغة قريش خاصة ، ثم قال :
* ( وزرابى مبثوثةٌ ) * [ آية : 16 ] يعنى طنافس مبسوطة بعضها على بعض ، يذكرهم الله عز
وجل صنعه ليعتبر عباده فيحرصوا عليها ، ويرغبوا فيها ، ويحذروا النار ، فإن عقوبته على
قدر سلطاته وكرامته قدر سلطانه .
ثم ذكر عجائبه ، فقال : * ( أفلا ينظرون إلى الإبل ) * لأن العرب لم يكونوا رأوا الفيل ،
وإنما ذكر لهم ما أبصروا ، ولو أنه قال : أفلا ينظرون إلى الفيلة * ( كيف خلقت ) * [ آية :
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 479
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٤٧٩