وأما قوله : * ( ويطعمون الطعام على حبه ) * أي على حبهم الطعام * ( مسكينا ويتيما وأسيرا ) *
[ آية : 8 ] نزلت في أبي الدحداح الأنصاري ، ويقال :
في علي بن أبي طالب ، رضي الله
عنه ، وذلك أنه صام يوماً ، فلما أراد أن يفطر دعا سائل ، فقال : عشوني بما عندكم ، فإني
لم أطعم اليوم شيئاً ، قال أبو الدحداح ، أو على : قومي فاثردى رغيفاً وصبي عليه مرقة ،
وأطعميه ، ففعلت ذلك فما لبثوا أن جاءت جارية يتيمة ، فقالت : أطعموني ، فإني ضعيفة
لم أطعم اليوم شيئاً ، قال : يا أم الدحداح ، : قومي فاثردى رغيفاً وأطعمها ، فإن هذه والله
أحق من ذلك المسكين ، فبينما هم كذلك إذ جاء على الباب سائل أسير ينادي : عشوا
الغريب في بلادكم ، فإني أسير في أيديكم وقد أجهدني الجوع ، فبالذي أعزكم وأذلني
لما أطعمتموني ، فقال أبو الدحداح : يا أم الدحداح ، قومي ويحك فاثردى رغيفاً وأطعمي
الغريب الأسير ، فإن هذا أحق من أولئك فاطعموا ثلاث أرغفة ، وبقى لهم رغيف واحد ،
فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم يمدحهم بما فعلوا ، فقال : * ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) * يعنى باليتيم من لا أب له ولا أم ، * ( وأسيرا ) * من أسارى المشركين * ( إنما نطعمكم لوجه الله ) * يعنى لمرضات الله تعالى * ( لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) * [ آية : 9 ] يعني أن
تثنوا به علينا * ( إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ) * يعني يوم الشدة .
قال الفراء ، هو وأبو عبيدة : هو المنتهى في الشدة * ( قمطريرا ) * [ آية : 10 ] يعنى إذا عرق
الجبين فسال العرق بين عينيه من شدة الهول ، فذلك قوله : * ( قمطريرا ) * فشكر الله أمرهم ،
فقال : * ( فوقهم الله شر ذلك اليوم ) * يعنى يوم القيامة شر جهنم * ( ولقهم نضرةً وسروراً ) *
[ آية : 11 ] نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب ، وذلك أن المسلم إذا خرج من قبره
يوم القيامة نظر أمامه ، فإذا هو بإنسان وجهه مثل الشمس يضحك طيب النفس ، وعليه
ثياب بيض ، وعلى رأس تاج ، فينظر إليه حتى يدنو منه ، فيقول : سلام عليك ، يا ولي الله ،
فيقول : وعليك السلام من أنت يا عبد الله أنت ملك من الملائكة . فيقول : لا ، والله ،
فيقول : أنت نبي من الأنبياء ؟ فيقول : لا والله ، فيقول : أنت من المقربين ؟ فيقول : لا والله ،
فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح أبشرك بالجنة ، والنجاة من النار ، فيقول له : يا
عبد الله ، الله أبعلم تبشرني ؟ فيقول : نعم ، فيقول : ما تريد مني ؟ فيقول له : اركبني ،
فيقول : يا سبحان الله ، ما ينبغي لمثلك أن يركب عليه ، فيقول : بلى فإني طال ما ركبتك
في دار الدنيا ، فإني أسألك بوجه الله ، إلا ما ركبتني ، فيقول : لا تخف أنا دليلك إلى الجنة
فيعم ذلك الفرح في وجهه حتى يتلألأ ، ويرى النور والسرور في قلبه ، فذلك قلبه :
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 428
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٤٢٨