مساكن لكم * ( فارجعوا ) * إلى المدينة خوفاً ورعباً من الجهد والقتال في الخندق ، يقول
ذلك المنافقون بعضهم لبعض ، ثم قال : * ( ويستئذن فريقٌ منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورةٌ ) *
يعني خالية طائعة هذا قول بني حارثة بن الحارث ، وبني سلمة بن جشم ، وهما من
الأنصار وذلك أن بيوتهم كانت في ناحية من المدينة ، فقالوا : بيوتنا ضائعة نخشى عليها
السراق ، يقول الله تعالى : * ( وما هي بعورة ) * يعني بضائعة * ( أن ) * يعني ما * ( يريدون إلا فرارا ) * [ آية : 13 ] من القتل نزلت في قبليتن من الأنصار بني حارثة وبني سلمة بن
جشم ، وهموا أن يتركوا أماكنهم في الخندق ففيهم يقول الله تعالى : * ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) * [ آل عمران :
122 ] ، قالوا : بعدما نزلت هذه الآية ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا إذ كان الله ولينا .
قوله تعالى : * ( ولو دخلت عليهم من أقطارها ) * يقول : ولو دخلت عليهم المدينة من
نواحيها يعني نواحي المدينة * ( ثم سئلوا الفتنة ) * يعني الشرك * ( لآتوها ) * يعني لأعطوها عفواً يقول : لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ، ثم أمروهم بالشرك لأشركوا * ( وما تلبثوا بها إلا يسيرا ) * [ آية : 14 ] يقول : ما تحسبوا بالشرك إلا قليلاً حتى يعطوا طائعين
فيكفوا .
ثم أخبر عنهم ، فقال سبحانه : * ( ولقد كانوا عهدوا الله من قبل ) * قتال الخندق وهم
سبعون رجلاً ليلة العقبة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم :
أشترط لربي أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئاً ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما
تمنعون منه أنفسكم وأولادكم ونساءكم ' ، قالوا : فما لنا إذا فعلنا يا نبي الله ، قال : لكم
النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ، فقالوا : قد فعلنا ذلك ، فذلك قوله : وقد كانوا عاهدوا
الله من قبل ، يعني ليلة العقبة حين شرطوا للنبي صلى الله عليه وسلم المنعة * ( لا يولون الأدبر ) * منهزمين
وذلك أنهم بايعوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم يمنعونه مما يمنعون أنفسهم وأولادهم وأموالهم ، يقول الله
عز وجل : * ( وكان عهد الله مسئولاً ) * [ آية : 15 ] يقول : أن الله يسأل يوم القيامة عن
نقض العهد ، فإن عدو الله إبليس سمع شرط الأنصار تلك الليلة ، فصاح صيحة أيقظت
الناس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لإبليس : ' أخسأ عدو الله ' .
تفسير سورة الأحزاب من الآية ( 16 ) إلى الآية ( 17 ) .
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 39
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٣٩