* ( وللدار الآخرة خير ) * ، يثنى على الجنة ، يقول : ولدار الجنة أفضل من الدنيا ، * ( للذين يتقون ) * الشرك ، * ( أفلا ) * ، يعني فهلا * ( تعقلون ) * [ آية : 32 ] أن الدار الآخرة أفضل
من الدنيا ؛ لأنها بعد دار الدنيا ، وإنما سميت الدنيا ؛ لأنها أدنى إلينا من دار الآخرة .
* ( قد نعلم إنه يحزنك الذي يقولون ) * ، نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد
مناف بن قصي ، كان الحارث يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية ، فإذا خلا مع أهل ثقته ،
قال : ما محمد من أهل الكذب ، وإني لأحسبه صادقاً ، وكان إذا لقى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إنا
لنعلم أن هذا الذي تقول حق ، وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلا مخافة أن يتخطفنا
الناس ، يعني العرب ، من أرضنا إن خرجنا ، فإنما نحن أكلة رأس ، ولا طاقة لنا بهم ،
نظيرها في القصص : * ( وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) * [ القصص :
57 ] ، فأنزل الله : * ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) * في العلانية بأنك كذاب مفتر ،
* ( فإنهم لا يكذبونك ) * في السر بما تقول بأنك نبي رسول ، بل يعلمون أنك صادق ،
وقد جربوا منك الصدق فيما مضى ، * ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) * [ آية :
33 ] ، يعني بالقرآن بعد المعرفة .
* ( ولقد كذبت رسل من قبلك ) * ، وذلك قبل كفار مكة ؛ لأن كفار مكة ، قالوا : يا
محمد ، ما يمنعك أن تأتينا بآية كما كانت الأنبياء تجئ بها إلى قومهم ، فإن فعلت
صدقناك ، وإلا فأنت كاذب ، فأنزل الله يعز نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم إياه ، وأن
يقتدى بالرسل قبله : * ( ولقد كذبت رسل من قبلك ) * * ( فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ) * في هلاك قومهم ، وأهل مكة بمنزلتهم ، فذلك قوله : * ( ولا مبدل لكلمات الله ) * ، يعني لا تبديل لقول الله بأنه ناصر محمد صلى الله عليه وسلم ، ألا وقوله حق كما نصر الأنبياء
قبله ، * ( ولقد جاءك من نبإي ) * ، يعني من حديث * ( المرسلين ) * [ آية : 34 ] حين
كذبوا وأوذوا ثم نصروا .
* ( وإن كان كبر عليك ) * ، يعني ثقل عليك * ( إعراضهم ) * عن الهدى ، ولم تصبر على
تكذيبهم إياك ، * ( فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ) * ، يعني سربا ، * ( أو سلما في السماء ) * ، أي فإن لم تستطع فأت بسلم ترقى فيه إلى السماء ، * ( فتأتيهم بآية ) * فافعل
إن استطعت ، ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم ، فقال : * ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) * [ آية : 35 ] ، فإن الله لو شاء لجعلهم مهتدين .
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 344
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٣٤٤