نفسي ) * ، يعني ما كان مني وما يكون ، * ( ولا اعلم ما في نفسك ) * ، يقول : ولا أطلع
على غيبك ، وقال أيضا ، ولا أعلم ما في علمك ، ما كان منك وما يكون ، * ( إنك أنت
علام الغيوب ) * ، [ آية : 116 ] ، يعني غيب ما كان وغيب ما يكون .
* ( ما قلت لهم ) * وأنت تعلم ، * ( إلا ما أمرتني به ) * ( في الدنيا ) * ( أن اعبدوا الله ) * ،
يعني وحدوا الله ، * ( ربي وربكم ) * ، قال لهم عيسى صلى الله عليه وسلم ذلك في هذه السورة ، وفي
كهيعص ، وفي الزخرف ، * ( وكنت عليهم شهيدا ) * ، يعني على بني إسرائيل بأن قد بلغتهم
الرسالة ، * ( ما دمت فيهم ) * ، يقول : ما كنت بين أظهرهم ، * ( فلما توفيتني ) * ، يقول : فلما
بلغ بي أجل الموت فمت ، * ( كنت أنت الرقيب عليهم ) * ، يعني الحفيظ ، * ( وأنت على كل
شيء شهيد ) * [ آية : 117 ] ، يعني شاهدا بما أمرتهم من التوحيد ، وشهيد عليهم بما قالوا
من البهتان ، وإنما قال الله عز وجل : * ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ) * ، ولم يقل : وإذ
يقول : يا عيسى ابن مريم ؛ لأنه قال سبحانه قبل ذكر عيسى يوم يجمع الله الرسل ،
فيقول : ماذا أجبتم ؟ قالوا : يومئذ ، وهو يوم القيامة ، حين يفرغ من مخاصمة الرسل ،
فينادى : أين عيسى ابن مريم ، فيقوم عيسى صلى الله عليه وسلم شفق ، فرق ، يرعد رعدة حتى يقف بين
يدي الله عز وجل ، يا عيسى : * ( أأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * .
وكما قال سبحانه : * ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) *
[ الأعراف : 43 ] ، فلما دخلوا الجنة ، قال : * ( ونادى أصحاب النار ) * [ الأعراف :
50 ] ، فنسق بالماضي على الماضي ، والمعنى مستقبل ، ولو لم يذكر الجنة قبل بدئهم
بالكلام الأول لقال في الكلام الأول : * ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) *
[ الأعراف : 44 ] ، وكل شيء في القرآن على هذا النحو .
ثم قال عيسى صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في الآخرة : يا رب ، غبت عنهم وتركتهم على
الحق الذي أمرتني به ، فلم أدر ما أحدثوا بعدى ، ف * ( إن تعذبهم ) * فتميتهم على ما قالوا
من البهتان والكفر ، * ( فإنهم عبادك ) * ، وأنت خلقتهم ، * ( وإن تغفر لهم ) * ، فتتوب
عليهم وتهديهم إلى الإيمان والمغفرة بعد الهداية إلى الإيمان ، * ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) *
[ آية : 118 ] في ملكك ، الحكيم في أمرك ، وفي قراءة ابن مسعود : ' فإنك أنت الغفور
الرحيم ' ، نظيرها في سورة إبراهيم ، عليه السلام ، في مخاطبة إبراهيم : * ( ومن عصاني
فإنك غفور رحيم ) * [ إبراهيم : 36 ] ، وهي كذلك أيضا في قراءة عبد الله بن مسعود .
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 333
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٣٣٣