دخول البيت الحرام أن تطوفوا به عام الحديبية ، * ( أن تعتدوا ) * ، يعني أن ترتكبوا
معاصيه ، فتستحلوا أخذ الهدى والقلائد والقتل في الشهر الحرام من حجاج بكر بن
وائل من أهل اليمامة ، نزلت في الخطيم ، واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمر بن
جرثوم البكري ، ومن بني قيس بن ثعلبة ، وفي حجاج المشركين ، وذلك أن شريح بن
ضبيعة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، اعرض علي دينك ، فعرض عليه وأخبره بما له
وبما عليه ، فقال له شريح : إن في دينك هذا غلظا ، فأرجع إلى قومي فأعرض عليهم ما
قلت ، فإن قبلوه كنت معهم ، وإن لم يقبلوه كنت معهم .
فخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لقد دخل بقلب كافر ، وخرج بوجه
غادر ، وما أرى الرجل بمسلم ' ، ثم مر على مسرح المدينة فاستاقها ، فطلبوه فسبقهم إلى
المدينة ، وأنشأ يقول :
* قد لفها الليل بسواق حطم
* ليس براعي إبل ولا غنم
*
* ولا بجزار على ظهر وضم
* خدلج الساق ولا رعش القدم
*
قال أبو محمد عبد الله بن ثابت : سمعت أبي يقول : قال أبو صالح : قتله رجل من قومه
على الكفر ، وقدم الرجل الذي قتله مسلما ، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا عام
الحديبية في العام الذي صده المشركون ، جاء شريح إلى مكة معتمرا ، معه تجارة عظيمة
في حجاج بكر بن وائل ، فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدوم شريح وأصحابه ،
وعرفوا بنبئهم ، فأراد أهل السرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم من قبل شريح
وأصحابه ، فقالوا : نستأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستأمروه ، فنزلت الآية : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) * ، يعني أمر المناسك .
ولا تستحلوا في الشهر الحرام أخذ الهدى ولا القلائد ، يقول : ولا تخيفوا من قلد
بعيره ، ولا تستحلوا القتل آمين البيت الحرام ، يعني متوجهين قبل البيت الحرام من
حجاج المشركين ، يعني شريح بن ضبيعة وأصحابه يبتغون بتجاراتهم فصلا من الله ،
يعني الرزق والتجارة ورضوانه بحجهم ، فنهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ، ثم لم
يرض منهم حتى يسلموا ، فنسخت هذه الآية آية السيف ، فقال عز وجل : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * [ التوبة : 5 ] ، ثم قال تعالى : * ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) * [ آية : 2 ] .
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 278
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٢٧٨