قال الواسطي : في ترك الدنيا مشاهدة الآخرة ، وفي مشاهدة الآخرة رفض الدنيا كما
أن مشاهدة التأييد زوال عزة النفس ، وفي مطالعة صفات الحق سقوط صفات العبد .
قوله عز وجل : * ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ) * [ الآية : 19 ] .
قال القاسم : في قوله * ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ) * بشرط الإرادة بحسن
السعاية لأن كل طائفة أرادت الآخرة وسعيها وهو الذي يسعى على الاستقامة ، وما
توجه عليه الشريعة ، وشرط السعي بالاستقامة ، وشرط الاستقامة بالإيمان لأن كل من
أراد الآخرة وقصد قصدها فليستقم عليها فرب قاصد مستقيم في الظاهر حظه الإيمان
عارية عنده ، وكم من ساع حسن السعي غير مقبول سعيه .
قال بعضهم : السعي في الدنيا بالأبدان ، والسعي إلى الآخرة بالقلوب ، والسعي إلى
الله تعالى بالهمم .
قال عز وجل : * ( فأولئك كان سعيهم مشكورا ) * [ الآية : 19 ] .
قال أبو حفص : السعي المشكور ما لم يكن مشوبا برياء . ولا سمعة ، ولا رؤية
نفس ، ولا طلب ثواب بل يكون خالصا لوجهه لا يشاركه في ذلك شيء فذلك السعي
المشكور .
قوله عز وجل : * ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) * [ الآية : 21 ] .
قال ابن عطاء : من تولاه بصرف من العناية توالت أعماله كلها بالله تعالى فله فضل
الولاية على من دونه فإن الله تعالى قال : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض والفضيلة
تقع فيما بين الخلق والحق لا يكبر عنده الطاعات ولا تغضبه المخالفات .
قال الواسطي : فضلنا بعضهم على بعض : بالمعرفة والإخلاص والتوكل .
قوله عز وجل : * ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) * [ الآية : 21 ] .
قال الواسطي : بدرجات الشوق يصل العبد إلى درجات العلى وأعظم درجة في
الآخرة التخطي إلى بساط القرب ومشاهدة الحق أعلا وأجل .
قال أبو سعيد القرشي : ابن آدم أنت تباهي بحسن مجلسك في دار الدنيا من سلطان
أو شريف أو عالم فكيف لا ترغب في مباهاة مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل .
قوله عز وجل : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * [ الآية : 23 ] .
تفسير السلمي — صفحة 385
مساهمون: أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي
ص٣٨٥