تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النار ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره ) ، ثم قرأ أبو عبيدة " * ( أنْ بورك مَن في النار ومَن حولها وسبحان الله ربّ العالمين ) * ) . وقيل معناه : بورك مَن في النار سلطانه وقدرته وفيمن حولها . وقال آخرون : هذا التبريك عائد إلى موسى والملائكة ، ومجاز الآية : بورك من في طلب النار وقصدها بالقرب منها ، وهذا كما يقال : بلغ فلان البلد إذا قرب منه ، وورد فلان الماء لا يريدون أنّه في وسطه ، ويقال : أعطِ مَن في الدار ، يريدون من هو فيها مقيم أو شريك وإن لم يكن في الوقت في الدار ، ونحوها كثير . ومعنى الآية : بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار ، وهذا تحيّة من الله سبحانه لموسى وتكرمة له كما حيّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا : " * ( رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ) * ) . وقال بعضهم : هذه البركة راجعة إلى النار نفسها . روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنّه قال : معناه بوركت النار ، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى قال : حدّثنا أحمد بن نجدة قال : حدّثنا الحمّاني قال : حدّثنا هشيم قال : أخبرنا سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سمعت أُبيّاً يقرؤها : أن بوركت النار ومن حولها ، وتقدير هذا التفسير أنَّ ( من ) تأتي في الكلام بمعنى ( ما ) ، كقوله سبحانه " * ( ومن لستم له برازقين ) * ) وقوله " * ( فمنهم من يمشي على بطنه ) * ) الآية و ( ما ) قد تكون صلة في كثير من المواضع كقوله " * ( جُنْدٌ ما هنالك ) * ) و " * ( عما قليل ) * ) فمعنى الآية بورك في النار وفيمن حولها وهم الملائكة وموسى ( عليه السلام ) ، فسمّى النار مباركة كما سمّى البقعة مباركة فقال في " * ( البقعة المباركة ) * ) . وأمّا وجه قوله " * ( بورك من في النار ) * ) فإنّ العرب تقول : باركك الله ، وبارك فيك ، وبارك عليك وبارك لك ، أربع لغات ، قال الشاعر : فبوركت مولوداً وبوركت ناشياً وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب