قلنا : هذا من الخطاب المتلوّن الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله سبحانه " * ( يا أيها النبي إذا طلّقتم النساء ) * ) ونحوها ، وقيل : رجع إلى كلّ واحد من البيوت ، وقيل : هو مثل قوله سبحانه " * ( وجعل القمر فيهن نوراً ) * ) وإنّما هو في واحدة منها .
" * ( أن ترفع ) * ) أي تبنى عن مجاهد نظيره قوله سبحانه " * ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) * ) وقال الحسن : تعظيم ، " * ( ويذكر فيها اسمهُ ) * ) قال ابن عباس : يتلى فيها كتابهُ ، " * ( يُسبِّحُ له فيها ) * ) قرأ قتادة وأشهب العقيلي ونصر بن عاصم الليثي وابن عامر وعاصم بفتح الباء على غير تسمية الفاعل .
ثم قال " * ( رجالٌ ) * ) أي هم رجال كما يقال : ضرب زيد وأكل طعامك فيقال : من فعل ؟ فيبيّن فيقول : فلان ، وفلان والوقف على هذه القراءة عند قوله " * ( والآصال ) * ) . وقرأ الآخرون بكسر الباء جعلوا التسبيح فعلاً للرجال .
قال ابن عباس : كلّ تسبيح في القرآن صلاة يدلّ عليه قوله سبحانه " * ( بالغدوّ وَالآصال ) * ) أي بالغداة والعشىّ .
قال المفسّرون : أراد الصلوات المفروضة ، فالصلاة التي تؤدّى بالغدوّ صلاة الفجر ، والتي تؤدّى في الآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأنّ اسم الأصيل لجميعها .
أخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن شنبة قال : حدّثنا عمير بن مرداس قال : حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس قال : حدّثنا عبد الرَّحْمن بن زيد عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد ويوثره على ما سواه إلاّ وله عند الله نزل معدّله في الجنّة كلّما غدا وراح ، كما لو أنّ أحدكم زارهُ من يحبّ زيارته في كرامته ) .
وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال : حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي قال : حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحسني عن إبراهيم المدني عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مَن غدا إلى المسجد وراح ليتعلّم خيراً أو يعلّمه كان كمثل المجاهد في سبيل الله رجع غانماً ، ومن غدا إليه لغير ذلك كان كالناظر إلى الشيء ليس له ، يرى المصلين وليس منهم ، ويرى الذاكرين وليس منهم )
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 108
مساهمون: الثعلبي
ص١٠٨