شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده لا شريك له ، فمثله مثل شجرة التفَّ بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت ، وكذلك المؤمن قد أُجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها ، فيثبته الله تعالى فيها ، فهو بين أربع خلال : إن أُعطي شكر ، وإن ابتلي صبر ، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات .
ثمَّ قال : " * ( نورٌ على نور ) * ) فهو ينقلب في خمسة من النور : فكلامه نور ، وعمله نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة .
وقال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسّه النار ، فإن مسته النار ازداد ضوءاً على ضوئه كما يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد هدىً على هدىً ونوراً على نور كقول إبراهيم ( عليه السلام ) قبل أن تجيئه المعرفة " * ( هذا ربّي ) * ) حين رأى الكوكب من غير أن أخبره أحد أنّ له ربّاً ، فلمّا أخبره الله أنّه ربّه ازداد هدىً على هدىً ثم قال " * ( نور على نور ) * ) يعني إيمان المؤمن وعمله .
وقال الحسن وابن زيد : هذا مَثَل للقرآن في قلب المؤمن ، فكما أنّ هذا المصباح يُستضاء به وهو كما هو لا ينقص فكذلك القرآن يُهتدى به ويؤخذ به ويعمل به ، فالمصباح هو القرآن ، والزجاجة قلب المؤمن ، والمشكاة لسانه وفمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي .
" * ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسَسه نار ) * ) يقول : تكاد حجّة القرآن تتّضح وإن لم تُقرأ ، وقيل : تكاد حجج الله على خلقه تضيء لمن فكّر فيها وتدبّرها ولو لم ينزل القرآن .
" * ( نور على نور ) * ) يعني أنّ القرآن نور من الله يخلقه مع ما قد أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نوراً على نور .
ثمَّ أخبر أنّ هذا النور المذكور عزيز فقال عزَّ من قائل " * ( يهدي الله لنوره من يشاء ويضربُ اللهُ الأَمثال للناس ) * ) تقريباً للشيء الذي أراده إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك على الأنام " * ( والله بكل شيء عليم ) * ) .
ثمَّ قال عزَّ من قائل " * ( في بيوت ) * ) نظم الآية : ذلك المصباح في بيوت ويجوز أن يكون معناه : توقد في بيوت وهي المساجد ، عن أكثر المفسّرين .
أخبرني ابن فنجويه الدينوري قال : حدّثنا ابن حنش المقري قال : حدّثنا محمد بن أحمد
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 106
مساهمون: الثعلبي
ص١٠٦