واختلفوا في هذه الجوارح التي يحل صيدها بالتعليم غير المدرك ذكاته وما أدركت فما ذكاته فهو لك ، وإلاّ فلا يطعم ، وهذا غير معمول به .
وقال سائر العلماء : هي الكواسب من السباع والبهائم والطير مثل النمر والفهد والكلب والعقاب ، والصقر ، والبازي ، والباشق ، والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم ، فسميت جوارح لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد أي كسبها . يقال : فلان جارحة أهلها أي كاسبهم ولا جارحة لفلان إذ لم تكن لها كسب " * ( مكلبين ) * ) منصوب على الحساب في المعنى وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين إلى هذه الحال أي في حال صيدكم ( أصحاب ) كلاب ، والتكليب إغراء الصيد وإشلاؤه على الصيد .
قال الشاعر :
باكره عند الصباح مكلّب
أزلّ كسرحان القصيمة أغبر
قرأ أبن مسعود وأبو زرين والحسن : مكلبين بتخفيف اللام على هذا المعنى ، وهي قراءة الحسن والقتيبي أيضاً ، ويجوز أن يكون من قولهم : أكلب الرجل ، إذا كثرت كلابه ، مثل : وأمشى إذا كثرت ماشيته ، وذكر الكلاب لإنها أكثر وأعم والمراد به جميع الجوارح .
" * ( تعلّمونهن ) * ) آداب الصيد " * ( مما علّمكم اللّه ) * ) أي من العلم الذي علمكم اللّه ، وقال السّدي : من بمعنى الكاف ، أي كما علّمكم اللّه ، وهو أن لا ( يجثمن ) ولا يعضنّ ولا يقتلن ولا يأكلن " * ( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه ) * ) عند إرسال البهم والجوارح .
حكم الآية
والمعلم من الجوارح الذي يحلّ صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى وإذا أخذ أمسك ولم يأكل . فإذا دعاه أجابه ، وإذا أراده لم يفرّ منه ، فإذا فعل ذلك مرّات فهو معلّم فمتى كان بهذا الوصف فاصطاد جاز أكله فإذا أمسك الصيد ولم يأكل منه جاز أكله ، وكان حلالاً ، فإن أكل منه ، فللشافعي فيه قولان : أحدهما : لا يحلّ ولا يؤكل وهو الأشهر والأظهر من مذهبه لأنّ اللّه عز وجل قال : " * ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) * ) وهو لم يمسك علينا وإنما أمسك على نفسه ، وهذا قول الحسن وطاووس والشعبي وعطاء والسدّي .
وقال ابن عباس : إذا أرسلت الكلب فأكل من صيد فهي ميتة لا يحل أكله لأنه سبع أمسكه على نفسه ، ولم يمسك عليك ولم يتعلم ما علّمته ، فاضربه ولا تأكل من صيده
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 20
مساهمون: الثعلبي
ص٢٠