وإذا كان إدراكه بالاستنباط ، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص .
ومنه ما يدرك منه ومن المعنى ، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص " * ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ ) * ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أُحد وكان من هربهم ما كان ، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس : اخرجوا إلى العدو .
فكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم ، فأنزل الله تعالى " * ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ ) * ) أي لا تدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك .
وقيل : معناه لاتلزم فعل غيرك ولاتؤخذ به ولم يرد بالتكليف الأمر لأنه يقتضي على هذا القول ألا يكون غيره مأموراً بالقتال .
والفاء في قوله ( فقاتل ) جواب عن قوله " * ( وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً ) * ) فقاتل " * ( وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ) * ) على القتال أي حثَّهم على الجهاد ورغّبهم فيه ، فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا معه إلى القتال ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً حتى أتى موسم بدر ، فكفّ بهم الله تعالى بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان ولم يكن له أن يُوافق ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه .
وذلك قوله " * ( عَسَى اللهُ ) * ) أي لعل الله " * ( أنْ يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * ) أي قتال المشركين وصولتهم حين ولّيتم وهي من الله واجب ، حيث كان ، وقد جاء في كلام العرب بمعنى اليقين .
قال ابن مقبل :
ظنّي أنهم كعسى ، وهم بنتوفة
يتنازعون جوائز الأمثال
" * ( وَاللهُ أشَدُّ بَأساً ) * ) أي أشد صولة وأعظم سلطاناً وأقدر على ما يريد " * ( وَأشَدُّ تَنكِيلا ) * ) أو عقوبة .
فإن قيل : إذا كان من قولكم : إن عسى من الله واجب فقد قال الله " * ( عَسَى اللهُ أنْ يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * ) ونحن نراهم في بأس وشدة ، فأين ذلك الوعد ؟ فيقال لهم : قد قيل : إن المراد به الكفرة الذين كفّ بأسهم في بدر الصغرى ، والحديبية بقوله " * ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) * ) الآية ، فإن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 352
مساهمون: الثعلبي
ص٣٥٢