أنا لاقيهِ كأنّي بأوصالي تُقَطِّعُها عِسلان « 1 » الفَلَواتِ ، بَين النَّواوِيسِ « 2 » وكَربَلا ، فَيَملأْنَ مِنّي أكراشاً جَوفاً ، وأجرِبةً « 3 » سُغباً « 4 » ، لامَحيصَ عَن يَومٍ خُطَّ بِالقَلَمِ ، رِضى اللَّهِ رِضانا أهلَ البَيتِ ، نَصبِرُ عَلى بَلائهِ ويُوِّفينا أُجورَ الصابِرينَ لَن تَشِذَّ عَن رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله لُحمةٌ هِي مَجموعةٌ لَهُ في حَظيرةِ القُدسِ تَقَرُّ بِهِم عَينُهُ ، ويُنجِزُ لَهُم وَعدَهُ ، مَن كانَ باذِلًا فينا مُهجَتَهُ ، ومُوَطِّناً عَلى لِقائنا « 5 » نَفسَهُ فَليَرحَل ؛ فإنّي راحِلٌ مُصبِحاً إن شاءَ اللَّهُ . « 6 »
251 - - 23 . وقالَ عليه السلام لِلفَرَزدَقِ - لَمّا سَأَلَهُ عَن أهل العِراقِ - في جَوابِ قَولِهِ : أمّا القُلوبُ فَمَعَكَ ، وأمّا السُّيوفُ فَمَع بَني امَيّةَ عَلَيكَ ، والنَّصرُ مِن عِندِ اللَّهِ فَقالَ - : ما أراكَ إلّاصَدقتَ ؛ إنَّ الناسَ عَبيدُ المالِ ، والدِّينُ لَعِقٌ عَلى ألسِنَتَهُم يَحوطونَهُ ما دَرَّت بِهِ مَعايِشُهُم ، فإذا مُحِّصوا بِالبَلاءِ « 7 » قَلَّ الدَّيّانونَ . « 8 » وفي رِوايةٍ اخرى أنَّه قالَ للفَرَزدَقِ : للَّهِ الأمرُ مِن قَبلُ ومِن بَعدُ ، وكُلُّ ساعةٍ رَبُّنا في شأنٍ ، إن نَزَلَ القَضاءُ بِما نُحِبُّ فَنَحمَدُ اللَّهَ عَلى نَعمائهِ ، وهُوَ المُستَعانُ عَلى أداءِ الشُّكرِ ، وإن حالَ القَضاءُ دونَ الرَّجاءِ فَلَم يَتَعَدَّ مِنَ الحَقِّ نِيَّتُه « 9 » ، والتَّقوَى سَريرَتُهُ .
فَقالَ لَهُ الفَرَزدَقُ : أجَل بَلَّغَكَ اللَّهُ ما تُحِبُّ ، وكَفاكَ ما تَحذَرُ . « 10 »
252 - - 24 . ولَمّا نَزَلَ بِهِ عليه السلام عُمَرُ بنُ سَعدٍ لَعنهُ اللَّهُ ، وأيقنَ أنَّهُم قاتِلوهُ ، قامَ عليه السلام في أصحابِهِ خَطيباً ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عَلَيهِ ، ثُمّ قالَ :
هامش
( 1 ) . العَسَلان : مشي الذئب ( النهاية : ج 3 ص 238 ) . والمراد به هنا الذئب نفسه .
( 2 ) . الناووس : مقبرة النصارى ، والجمع نواويس ( تاج العروس : ج 4 ص 265 ) .
( 3 ) . الجراب : الوعاء والجمع أجربة ( لسان العرب : ج 1 ص 261 ) .
( 4 ) . سغبَ الرجل : جاعَ ( لسان العرب : ج 1 ص 468 ) .
( 5 ) . وفي « ب » : لقاء اللَّه .
( 6 ) . نثر الدرّ : ج 1 ص 333 .
( 7 ) . وفي « أ » : للابتلاء .
( 8 ) . نثر الدرّ : ج 1 ص 336 ، تحف العقول : ص 245 وفيه ذيله من « إنّ الناس » .
( 9 ) . وفي الإرشاد : فلم يبعد من كان الحقّ نيّته . وفي تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 290 فلم يعتد من كان الحقّ نيّته .
( 10 ) . الإرشاد : ج 2 ص 67 ، وقعة الطفّ : ص 158 وليس فيه ذيله من « فقال له الفرزدق » .