حتى بلغ مقام التمكين ، وهذا وأمثاله من قوله تعالى : * ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) * [ الأنفال ، الآية : 67 ] ، وقوله : * ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) * [ التوبة ، الآية :
43 ] ، وقوله : * ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) * [ الأحزاب ، الآية : 37 ] ، وقوله :
* ( عبس وتولى ( 1 ) ) * [ عبس ، الآية : 1 ] يدل على أنه كان أكثر سلوكه في الله بعد الوصول
في زمان النبوة وزمان الوحي .
[ تفسير سورة الإسراء من آية 75 إلى آية 78 ]
* ( إذا لأذقناك ) * أي : لو قاربت فتنتهم وكدت توافقهم لأذقناك عذاباً مضاعفاً في
الحياة وعذاباً مضاعفاً في الممات ، فإن شدة العذاب بحسب علو المرتبة وقوة
الاستعداد إذ النقصان الموجب للعذاب يقابل الكمال الموجب للذة . فكلما كان
الاستعداد أتم والإدراك أقوى ، كانت المرتبة في الكمال والسعادة واللذة أقوى فكذا ما
يقابله من النقص والشقاوة أبعد وأسفل والألم أشد .
* ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) * اعلم أن الصلاة على خمسة أقسام : صلاة
المواصلة والمناغاة في مقام الخفاء ، وصلاة الشهود في مقام الروح ، وصلاة المناجاة
في مقام السر ، وصلاة الحضور في مقام القلب ، وصلاة المطاوعة والانقياد في مقام
النفس . فدلوك الشمس هو علامة زوال شمس الوحدة عن الاستواء على وجود العبد
بالفناء المحض ، فإنه لا صلاة في حال الاستواء إذ الصلاة عمل يستدعي وجوداً ، وفي
هذه الحالة لا وجود للعبد حتى يصلي كما ذكر في تأويل قوله تعالى : * ( واعبد ربك
حتى يأتيك اليقين 99 ) * [ الحجر ، الآية : 99 ] . ألا ترى الشارع صلى الله عليه وسلم كيف نهى
عن الصلاة وقت الاستواء ، فأما عند الزوال ، إذا حدث ظل وجود العبد سواء عند
الاحتجاب بالخلق حالة الفرق قبل الجمع أو عند البقاء حالة الفرق بعد الجمع ،
فالصلاة واجبة * ( إلى غسق ) * ليل النفس * ( وقرآن ) * فجر القلب ، فأول الصلوات وألطفها
صلاة المواصلة والمناغاة وأفضلها وأشرفها صلاة الشهود للروح المشار إليها بصلاة
العصر كما فسرت الصلاة الوسطى ، أي : الفضلى في قوله تعالى : * ( حافظوا على الصلوات ) * [ البقرة ، الآية : 238 ] والصلاة الوسطى بها ، وأوحاها وأخفها صلاة السر
بالمناجاة أول وقت الاحتجاب بظهور القلب لسرعة انقضاء وقتها ولهذا استحب
التخفف في صلاة المغرب في القراءة وغيرها لكونها علامة لها ، وأزجر الصلاة
للشيطان ، وأوفرها تنويراً لباطن الإنسان صلاة الحضور للقلب المومئ إليها بقرآن
تفسير ابن عربي — صفحة 407
مساهمون: ابن عربي
ص٤٠٧