[ آية 79 ]
* ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) * ، أي : ويل لمن بقيت منه بقايا صفات
النفس وهو لا يشعر بها أو يشعر فيحتال أو لا يحتفل بها فيفعل ويقول بنفسه
وصفاتها ، ويدعي أنه من عند الله ليكتسب به حظاً من حظوظ النفس ، بل عين ذلك
القول والفعل ونسبته إلى الله لاحظ
تام لها وذنب لا ذنب أقوى منه . ويمكن أن تؤول
الآيات الثلاث الأول على الوجه الثاني المبني على التطبيق فيقال : أفتطمعون ، أيتها
القوى الروحانية ، أن تؤمن هذه القوى النفسانية لأجل هدايتكم منقادة . وقد كان فريق
منهم كالوهم والخيال يسمعون كلام الله ، أي : يتلقفون المعاني الواردة من عند الله
على القلب ثم يحرفونه بالمحاكاة وكثرة الانتقالات وجعلها جزئية ، وإعطائها أحكام
الجزئيات كما في المنامات والواقعات . من بعد ما عقلوه ، أي : أدركوه على حاله
وهم يعلمون تحريفها وانتقالاتها إلى اللوازم والأشباه والأضداد .
وإذا لقوكم بالتوجه نحوكم ، وتلقن مدركاتكم عند حضوركم ، ومشايعتها إياكم ،
وعروجها ، أذعنوا وصدقوا . * ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) * في أوقات الغفلات ، منع
بعضهم بعضاً عن إلقاء ما فتح الله عليهم من مدركاتهم المحسوسة والمخيلة والموهومة
ليركبوا منها الحجج ويحاجوهم بها في الحضرة الروحانية عند ربهم .
* ( أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ) * عنكم من مدركاتهم * ( وما يعلنون ) *
فيطلعكم عليها وينصركم عليهم * ( ومنهم ) * أي : القوى الطبيعية الغير المدركة والحواس
الظاهرة * ( لا يعلمون ) * كتاب المعاني المعقولة * ( إلا أماني ) * لذاتهم وشهواتهم وما
يتيقنون خاتمة عاقبتها ومضرتها في طريق الكمال ، بل يظنون نفعها وخيريتها .
[ آية 80 - 82 ]
* ( وقالوا لن تمسنا النار ) * إلى آخر الآية . اعتقدوا أن زمان العقاب يساوي زمان
مباشرة الذنب ، ولم يعلموا أن الذنب إذا كان معتقداً فاسداً ، ثابتاً في النفس ، وهيئة
راسخة فيها ، وصار ملكة كصورة ذاتية لها ، كان سبباً لتخليد العذاب . وهو معنى قوله
تعالى : * ( وأحاطت به خطيئته ) * أي : استولت عليه واستوعبت كالسواد المستوعب
تفسير ابن عربي — صفحة 64
مساهمون: ابن عربي
ص٦٤