شرب منها يحيا أبداً كقلوب أهل الله السابقين وهو المشار إليه بقوله تعالى : * ( وإن من
الحجارة لما ينفجر منه الأنهار ) * وقلب ارتوى من العلم ، فحفظ ووعى ، فانتفع به
الناس ، كقلوب العلماء الراسخين وهو المشار إليه بقوله : * ( وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ) * وقلب خشعو وانقاد واستسلم وأطاع ، كقلوب العباد والزهاد من
المسلمين ، وهو المشار إليه بقوله : * ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) * وأدنى أحوال
حاله هو الهبوط من خشية الله ، أي : الانقياد لما أمر الله من الميل إلى المركز
بالسلاسة . وبقي قلب لم يتأثر قط بالعلم ولم يتلين بالخوف آبياً للهدى ، متكبراً ،
ممتلئاً بالهوى ، متمرداً ، فلا يوجد من الجواهر ما يشبهه لقبول جميعهاً ما أمر الله به ،
فكيف بالحديد الذي يلين لما يراد منه ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( مثل ما بعثني الله به
من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير ، أصاب أرضاً فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء
وأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها طائفة أخاذات أمسكت الماء ، فنفع الله بها
الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء
ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في الدين فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك
رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ) . فبين صلى الله عليه وسلم القلوب الثلاثة الأخيرة ،
والأول من الأربعة هو القلب المحمدي . * ( وما الله بغافل عما تعملون ) * تهديد للقاسية
قلوبهم ، أي : الله مطلع فيحجبهم عن نوره ويتركهم في ظلماتهم ، والآيات التي تتلوها
ظاهرة .
وتأويل الأولى :
[ آية 75 - 78 ]
* ( أفتطمعون ) * أن يوحدوا بتوحيد الصفات لأجل هدايتكم * ( وقد كان فريق منهم ) * يقبلون صفات الله ثم يحرفونها بنسبتها إلى أنفسهم * ( من بعد ما عقلوه ) * أي :
علموا توحيد الصفات وما وجدوه بالعيان * ( وهم يعلمون ) * أن تلك الصفات لله ، لكن
نفوسهم ينتحلونها بالإشراك حالة ذهول العقل عن استيلائها على القلب لعدم كون
توحيدهم ملكة وحالاً ، بل علماً .
تفسير ابن عربي — صفحة 63
مساهمون: ابن عربي
ص٦٣