* ( وضرب الله مثلا ) * للنفس المستعدة ، القابلة الصافية عن الكدورات ، المستفيدة
من فيض القلب ، الثابتة في طريق اكتساب الفضائل ، الآمنة من خوف فواتها وفنائها ،
المطمئنة باعتقادها * ( يأتيها رزقها رغدا ) * من العلوم النافعة والفضائل الحميدة والأنوار
الشريفة * ( من كان مكان ) * أي : من جميع جهات الطرق البدنية كالحواس الممتارة إياها
قوت العلوم الجزئية ، والجوارح ، والآلات التي تطاوعها في الأعمال الجميلة ، وتمرين
الفضيلة إذا كانت منقادة للقلب مطواعة له ، قابلة لفيضه ، باقية على معتقدها من الحق
تقليداً . ومن جهة القلب كإمداد الأنوار ، وهيئات الفضائل ، فظهرت بصفاتها بطراً
وإعجاباً بزينتها وكمالها . ونظراً إلى ذاتها ببهجتها وبهائها فاحتجبت بصفاتها الظلمانية
عن تلك الأنوار ومالت إلى الأمور السفلية من زخارف الدنيا واللذات الحسية وانقطع
إمداد القلب عنها ، وانقلبت المعاني الواردة إليها من طريق الحس هيئات غاسقة من
صور المحسوسات التي انجذبت إليها * ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ) * بانقطاع
مدد المعاني والفضائل والأنوار من القلب والخوف من زوال مقتنياتها من الشهوات
والمألوفات الحسية والمشتهيات * ( بما كانوا يصنعون ) * من كفران نعم الله باستعمالها
في طلب اللذات الحسية والزخارف الدنيوية ولظهورها بصفاتها وإعجابها بكمالاتها
وركونها إلى الدنيا ولذاتها واستيلائها على القلب بهيئاتها وأفعالها وحجب صاحبها عن
نوره ومدده بطلب شهواتها ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ' نعوذ بالله من
الضلال بعد الهدى ' بقرية صفتها ما ذكر .
* ( ولقد جاءهم رسول منهم ) * أي : من جنسهم وهي القوة الفكرية التي هي من
جملة قوى النفس بالمعاني المعقولة والآراء الصادقة * ( فكذبوه ) * بعدم التأثر بها
والانقياد لأوامرها ونواهيها العقلية والشرعية وترك العمل بمقتضاها وقلة المبالاة بها ،
ولم يرفعوا بها رأسا عن الانهماك فيما هم عليه * ( فأخذهم ) * عذاب الاحتجاب والحرمان عن
لذة الكمال في حالة ظلمهم وزيغهم عن طريق الفضيلة ونقصهم لحقوق صاحبهم .
تفسير ابن عربي — صفحة 392
مساهمون: ابن عربي
ص٣٩٢