الوحدة عن وحشة الهوى ، وتعلق الكثرة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ( الصلاة بعد الصلاة
كفارة ما بينهما من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ) ) . ألا ترى كيف أمرهم عند الحدث
الأكبر ومباشرة الشهوة بتطهير الغسل ، وعند الأصغر بالوضوء ، وعند الاشتغال
بالأشغال الدنيوية في ساعات اليوم والليل بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات
الحواس الخمس الحاصلة في النفس بسببها ، كل بما يناسبه ، فلذلك وضعوا بإزاء
وحشة تفرقة الأسبوع وظلمة انفرادهم بدؤوب الأشغال والمكاسب ، والملابس البدنية ،
والملاذ النفسانية ، اجتماع يوم وادد على العبادة والتوجه لتزول وحشة التفرقة بأنس
الاجتماع وتحصل بينهم المحبة والأنس وتزول ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية
والإعراض عن الحق بنور العبادة والتوجه ، ويحصل لهم التنور فوضع لليهود أول أيام
الأسابيع لكونهم أهل المبدأ والظاهر ، وللنصارى بعده لأنهم أهل المعاد والروحاني
والباطن المتأخرين عن المبدأ والظاهر بالنسبة إلينا ، وللمسلمين آخرها الذي هو يوم
الجمعة لكونهم في آخر الزمان أهل النبوة الخاتمة وأهل الوحدة الجامعة للكل ، وإن
جعل السبت آخر الأيام - على ما نقل أنه السابع - فبالنسبة إلى الحق تعالى لأن عالم
الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم ، وعالم العقل الذي إليه دعوة النصارى
أولها ، والجمعة هي يوم الجمع والختم ، فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلاً
زال نور استعداده ، فمسخ كما مسخت أصحاب السبت . نهوا عن الصيد ، أي : إحراز
الحظوظ النفسانية واقتنائها في يوم السبت ، فاحتالوا فيه فاتخذوا حياضاً على ساحل
البحر ليحبسوا فيها الحيتان ويصطادوها يوم الأحد . أي : ادخروا في سائر أيام الأسبوع
من ماء بحر الهيولى الجرمية والجرمانيات المادية في حياض بيوتهم فجمعوا بها أنواع
المطاعم والمشارب والملاذ والملاهي ، فاجتمع لهم كل الحظوظ النفسانية في يوم
السبت ما اكتفوا به سائر أيام الأسبوع ليفرغوا فيها إلى الاشتغال بالمكاسب والصناعات
والمهن ، كما هو عادة اليهود اليوم وشطار المسلمين في الجماعات فإن أكثر فسقهم
فيها ، فذلك اعتيادهم في السبت وهو يدل على أن جميع أوقات حضورهم مصروفة
في هموم الدنيا وطلب حظوظ النفس والهوى . كما ترى اليوم واحدا من المسلمين
قالبه في المسجد في الصلاة وقلبه في السوق في المعاملة ، حتى قال أحدهم : جريدة
حسابي هي الصلاة : أي : إذا فرغت من أشغال الدنيا إلى الصلاة أخذ قلبي في تصفح
تجاراتي وما لي على الناس وما للناس علي ، وذلك موجب للانحطاط عن العالم
العلوي الإنساني إلى الأفق السفلي الحيواني . وهو معنى قوله :
* ( فقلنا لهم كونوا قردة ) * أي : مشابهين الناس في الصورة وليسوا بهم
تفسير ابن عربي — صفحة 58
مساهمون: ابن عربي
ص٥٨