* ( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ) * حمله شفقة الأبوة وتعطف الرحم
والقرابة على طلب نجاته لشدة تعلقه به واهتمامه بأمره ، وراعى مع ذلك أدب الحضرة
وحسن السؤال فقال : * ( وإن وعدك الحق ) * ولم يقل لا تخلف وعدك بإنجاء أهلي ،
وإنما قال ذلك لوجود تلوين وظهور بقية منه إذ فهم من الأهل ذوي القرابة الصورية
والرحم الطبيعية وغفل لفرط التأسف على ابنه عن استثنائه تعالى بقوله : * ( إلا من سبق عليه القول ) * [ هود ، الآية : 40 ] ولم يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول ولا
استعطف ربه بالاسترحام وعرض بقوله : * ( وأنت أحكم الحاكمين ) * إلى أن العالم
العادل والحكيم لا يخلف وعده .
* ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك ) * أي : إن أهلك في الحقيقة هو الذي بينك
وبينه القرابة الدينية واللحمة المعنوية والاتصال الحقيقي لا الصوري كما قال أمير
المؤمنين عليه السلام : ' ألا وإن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته ، ألا وإن
عدو محمد من عصى الله وإن قربت لحمته ' ، * ( إنه عمل غير صالح ) * بين انتفاء كونه
من أهله بأنه غير صالح تنبيهاً على أن أهله هم الصلحاء ، أهل دينه وشريعته وأنه
لتماديه في الفساد والغي كأن نفسه عمل غير صالح . وأن سبب النجاة ليس إلا
الصلاح لا قرابته منك بحسب الصورة ، فمن لا صلاح له لا نجاه له . ولوح إلى أنه
صورة من صور الخطايا صدرت منك كما قيل : إنه سر من أسرار أبيه على ما قال
النبي عليه صلى الله عليه وسلم : ' الولد سر أبيه ' وذلك أنه لما بالغ في الدعوة وبلغ الجهد
في المدة المتطاولة وما أجابه قومه غضب ودعا عليهم بقوله : * ( رب لا تذر على الأرض
دياراً ( 26 ) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ( 27 ) ) * [ نوح ، الآيات :
26 - 27 ] ، فذهل عن شهود قدرة الله وحكمته وأنه : * ( يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) * [ يونس ، الآية : 31 ] فكانت دعوته تلك ذنب حاله في خطيئة مقامه ،
فابتلاه الله بالفاجر الكفار الذي زعم حال غضبه أنهم لا يلدون إلا مثله وحكم على
الله بظنه فزكاه عن خطيئته بتلك العقوبة . وفي الحديث : ' خلق الكافر من ذنب
المؤمن ' . * ( فلا تسألني ما ليس لك به علم ) * من إنجاء من ليس بصالح ولا من
أهلك ، واعلم أن الصلاح هو سبب النجاة دون غيره ، وأن أهلك هو ذو القرابة
المعنوية لا الصورية .
* ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) * الواقفين مع ظواهر الأمور ، المحجوبين
تفسير ابن عربي — صفحة 325
مساهمون: ابن عربي
ص٣٢٥