* ( بعضكم لبعض عدو ) * حال من الهبوط مقيد له إذ الهبوط إلى الدنيا التي هي الجهة
السفلية يستلزم كون مطالبها جزئية في ضيق المادة محصورة لا تحتمل الشركة . وكلما
حظي بها أحد حرم منها غيره فمنعه ، فيقع بينهما العداوة والبغضاء بخلاف المطالب
الكلية وجمع الخطاب لأن خطابهما خطاب النوع إذ الأصل يتناول الفرع * ( ولكم في الأرض ) * أي : في هذه الجهة * ( مستقر ) * استقرار * ( ومتاع ) * تمتع * ( إلى حين ) * أي :
حين تجردهما بالموت الإرادي وانقطاع حظوظهما بالموت الطبيعي وقيام أحد القيامتين
الكبرى أو الصغرى .
* ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) * أي : استقبل من جهة ربه أنواراً وأطواراً ، أي :
مراتب من الملكوت والجبروت وأرواحاً مجردة ، إذ كل مجرد كلمة لأنه من عالم
الأمر كما سمي عيسى كلمة أو تلقن منه معارف وعلوماً وحقائق . * ( فتاب عليه ) * تقبل
رجوعه إليه بالتجرد عن الملابس الطبيعية والانخراط في سلك الأنوار الملكوتية ،
والاتصاف بالكمالات القدسية ، والتجلي بالعلوم الحقيقية . وأصل تاب عليه : ألقى
الرجوع عليه وجعله راجعاً . ولعمري إنها هي التوبة المقبولة لا الرجوع الناشئ من
قبله . * ( إنه هو التواب ) * الكثير القبول لتوبة عبادة * ( الرحيم ) * الذي سبقت رحمته
غضبه ، فيرحم عبده في حين غضبه ، كما جعل غضبه على آدم سبب كماله ورجوعه
إليه وبعده ليتقرب منه .
[ آية 38 - 40 ]
* ( قلنا اهبطوا منها جميعا ) * كرر ذلك الأمر بالهبوط ليفيد أنه هو الذي أراد ذلك
ولولا إرادته لما قدر إبليس على إغوائهم ، لهذا أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن
التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان ، فهو قريب مما قال لنبيه : * ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) * [ الأنفال ، الآية : 17 ] فتفطن منه سر قضائه وقدره
وبين وجه حكمة الإهباط بتعقيبه بقوله : * ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * وإيراده بالفاء إذ لولا الهبوط لما أمكنهم من متابعة
الهدى ، ولما تميز السعيد والشقي ، ولا حصل استحقاق الثواب والعقاب ، ولبطل دار
الجزاء من الجنة والنار ، بل ما وجدت . والهدى هو الشرع فمن تبعه أمن سوء العاقبة
فلم يخف مما يأتي من العقاب والفناء ، وتسلى عن الشهوات واللذات ، فلم يحزن
على ما فاته من حطام الدنيا ونعيمها لاكتحال بصيرته بنور المتابعة واهتدائه إلى ما لا
تفسير ابن عربي — صفحة 49
مساهمون: ابن عربي
ص٤٩