المؤمنين الموحدين مطلقاً . ولما كان النصارى برزواً من حجاب الصفات ولم يتولهم
إلا حجاب الذات كانت مناسبتهم مع المؤمنين أقوى ، فلذلك كانوا أقرب مودة لهم
من غيرهم . والمشركون واليهود أشد عداوة لقوة حجابهم ، أما ترى كيف علل قربهم
في المودة بعلمهم وعبادتهم وعدم استكبارهم ؟ ، فإن العبادة توصل إلى جنة الأفعال
لتجردهم فيها عن أفعال نفوسهم فاعلين ما أمر الله ، والعلم يوصل إلى جنة الصفات
لتنزههم به عن جنة النفوس والوصول إلى مقام القلب الذي هو محل المكاشفة وقبول
العلم الإلهي ، وعدم الاستكبار يدل على أنهم ما رأوا نفوسهم موصوفة بصفات العبادة
والعلم ولا نسبوا فعلهم وعلمهم إليها بل إلى الله وإلا استكبروا وأظهروا العجب .
* ( ترى أعينهم تفيض من الدمع ) * شوقاً إلى ما عرفوا من توحيد الذات لأنهم
كانوا أهل رياضة وذوق فهاجت نفوسهم بسماع الوحي وذكروا الوحدة * ( مما عرفوا من الحق ) * بصفاته أو سمعوا من الحق كلامه ، فبكوا اشتياقاً كما قال :
* ويبكي إن نأوا شوقاً إليهم
* ويبكي إن دنوا خوف الفراق
*
* ( آمنا ) * بالتوحيد الذاتي إيماناً عينياً فاجعلنا من * ( الشاهدين ) * الحاضرين الذين
مقامهم الشهود الذاتي واليقين الحقي ، وإيماناً علمياً يقينياً فاجعلنا مع المعاينين * ( وما لنا لا نؤمن ) * إيماناً حقيقياً بذاته وما جاءنا من كلامه أو لا نؤمن بالله جمعاً * ( وما جاءنا من الحق ) * تفصيلاً * ( من القوم الصالحين ) * الذين استقاموا بالبقاء بعد * ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) * من التجليات الثلاث مع علومها * ( وذلك جزاء المحسنين ) *
المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة في الله .
* ( والذين ) * حجبوا عن الذات * ( وكذبوا ) * بآيات الصفات * ( أولئك أصحاب ) *
الحرمان الكلي في جحيم صفات النفوس .
[ تفسير سورة المائدة من آية 87 إلى آية 93
تفسير ابن عربي — صفحة 208
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٨