أن يستر حقيقة الغدير بذيل أمانته ، وهو يحسب أنّه لا يقف على ذلك التعليق إلّا الدهماء ، أو أنّ البحّاثة يمرّون عليه كراما . لكنّ المحافظة على حقيقة دينيّة أولى من التحفّظ على اعتبار هذا الكاتب الّذي يكتب ولا يبالي بما يكتب ، ويرى الكذب حقيقة راهنة .
على أنّ الشعر نفسه يأبى أن يكون المراد به واقعة حرب دامية ؛ فإنّ الشاعر بعد أن عدّ مواقف أمير المؤمنين عليه السّلام في الغزوات النبويّة ، وذكر منها غزاة أحد وبدر وحنين والنضير وخيبر والخندق وختمها بقوله :
مشاهد كان اللّه كاشف كربها * وفارجه والأمر ملتبس إمر
أخذ في ذكر منقبة ناء بها اللسان دون السيف والسنان فقال : « ويوم الغدير . . . » . وأنت ترى أنّه يوعز إلى قصّة فيها قيام ودعوة وإعلام وبيان ومجاهرة بإثبات الحقّ لأهله .
العناية بحديث الغدير
كان للمولى سبحانه مزيد عناية بإشهار هذا الحديث ؛ لتتداوله الألسن وتلوكه أشداق الرواة ، حتّى يكون حجّة قائمة لحامية دينه الإمام المقتدى صلوات اللّه عليه ؛ ولذلك أنجز الأمر بالتبليغ في حين مزدحم الجماهير عند منصرف نبيّه صلّى اللّه عليه وآله من الحجّ الأكبر ؛ فنهض بالدعوة ، وكراديس الناس وزرافاتهم من مختلف الديار محتفّة به ؛ فردّ المتقدّم ، وجعجع بالمتأخّر ، وأسمع الجميع « 1 » ،
هامش
( 1 ) - روى النسائي في إحدى طرق حديث الغدير عن زيد بن أرقم في الخصائص : 21 [ ص 96 ، ح 79 ؛ والسنن الكبرى 5 / 130 ، ح 8464 ] . وفيه : « قال أبو الطفيل : سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ فقال : [ نعم ] وأنّه ما كان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينيه ، وسمعه بأذنيه » . -