ويوعز إليه ببنانه ، كلّ يلمس يدي القارئ حقيقة يوم الغدير ، فلا يدع له ذكرا خاليا منه ، ولا مخيّلة تعدوه ، ولا أضالع إلّا وقد انحنت عليه ، فكأنّه وهو يتلقّى خبره بعد لأي من الدهر يرنو إليه من كثب ، ويستشفّ أمره على أمم . ولعلّ الواقف على كتابنا هذا من البدء إلى الغاية يجد فيه نماذج ممّا قلناه .
إذا فهلمّ معي وأعجب من الدكتور ملحم إبراهيم الأسود شارح ديوان شاعرنا أبي تمّام حيث يقول عند قوله :
ويوم الغدير استوضح الحقّ أهله * بضحياء « 1 » لا فيها حجاب ولا ستر
: « يوم الغدير واقعة حرب معروفة » .
وذكر بعده في قوله :
يمدّ بضبعيه ويعلم أنّه * وليّ ومولاكم فهل لكم خبر
ما يكشف عن أنّها كانت من المغازي النبويّة ؛ قال « 2 » :
يمدّ بضبعيه : يساعده وينصره . والهاء راجعة إلى الإمام عليّ ؛ أي : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ينصره ويعلم أنّه وليّ ، كان العضد والمساعد الوحيد للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الغدير ، والرسول نفسه كان ينصره عالما أنّه سيكون وليّا على شعبه بعده وخليفة له ، وهذه هي الحقيقة ، فهل تعلمون ؟
ألا مسائل هذا الرجل عن مصدر هذه الفتوى المجرّدة ؟ أهل وجد هاتيك الغزوة في شيء من السير النبويّة ؟ أو نصّ عليها أحد من أئمّة التاريخ ؟ أم أنّ تلك الحرب الزبون « 3 » وحدها قد توسّع بنقلها المتوسّعون من نقلة الحديث ؟
دع ذلك كلّه . هل وجد قصّاصا يقصّها ؟ أو شاعرا يصوّرها بخياله ؟
وإنّك لتجد الكاتب عيّا عن جواب هذه الأسئلة . لكنّه حبّذت له بواعثه
هامش
( 1 ) - [ « ضحياء » : مضيئة لاغيم فيها . وفي نسخة « بفيحاء » أي : المكان الوسيع ] .
( 2 ) - شرح ديوان أبي تمّام : 381 .
( 3 ) - [ « حرب زبون » : أي : شديدة تصدم الناس ] .