بويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاثٍ وعشرين .
قال ابن النجار : فنشر العدل في الرعايا ، وبذل الإنصاف في القضايا ، وقرب أهل العلم والدين ، وبنى المساجد والربط والمدارس والمارستانات ، وأقام منار الدين ، وقمع المتمردة ، ونشر السنن ، وكف الفتن وحمل الناس على أقوم سنن ، وقام بأمر الجهاد أحسن قيام ، وجمع الجيوش لنصرة الإسلام ، وحفظ الثغور ، وافتتح الحصون . إلى أن قال : وكان أبيض ، أشقر الشعر ، ضخماً ، قصيراً وخطه الشيب ، فخضب بالحناء ، ثم ترك الخضاب .
وقال الموفق عبد اللطيف : بويع أبو جعفر ، وسار السيرة الجميلة ، وعمر طرق المعروف الداثرة ، وأقام شعائر الدين ومنار الإسلام ، وعمر بسخائه وبذله . واجتمعت القلوب على حبه والألسنة على مدحه . ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معاباً وقد أطبقوا عليه . وكان جده الناصر يقربه ويحبه ويسميه القاضي لعقله وهديه وإنكاره ما يجد من المنكر . والناس معه اليوم في بلهنية هنيةٍ ، وعيشةٍ مرضيةٍ . وسير إليه خوارزم شاه يلتمس منه سراويل الفتوة ، فسيره إليه مع أموال جمة وتحف ، وفيما سير إليه فرس النوبة ، فسر بذلك وابتهج ، وقبل الأرض مراتٍ )
شكراً لله على هذه المنزلة التي رزقها وحرمها أبوه ، ثم إنه أذعن بالعبودية والطاعة .
وقال ابن واصل : بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها ولا أكثر وقفاً ، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة ، وعمل فيها بيمارستاناً كبيراً ورتب فيها مطبخاً للفقهاء ، ومزملة للماء البارد ، ورتب لبيوت الفقهاء الحصر ، والبسط ، والفحم ، والأطعمة ، والورق ، والحبر ، والزيت ، وغير ذلك .
وللفقيه بعد ذلك في الشهر ديناران ، ورتب لهم حماماً ، ورتب لهم بالحمام قومةً . وهذا ما سبق إليه . وللمدرسة شبابيك على دجلة . وللخليفة منظرةٌ مطلةٌ على المدرسة يحضر فيها الخليفة ، ويسمع الدرس إلى أن قال : واستخدم عساكر عظيمةً لم يستخدم
تاريخ الإسلام — صفحة 453
مساهمون: الذهبي
ص٤٥٣