4 ( رواية ابن الأثير عن الغُزّ ) )
قال ابن الأثير : لما تملّكت الخِطا ما وراء النهر ، طردوا الغُزّ ، فنزلوا بنواحي بلخ على مراعيها ، واسم مقدّميهم : دينار ، وبختيار ، وطوطى ، وأرسلان ، وجقر ، ومحمود ، فأراد قُماج نائب سنجر على بلخ إبعادهم ، فصانعوه ، وبذلوا له مالاً ، وأقاموا على حالة حسنة لا يُؤذون ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة . ثم عاودهم قماج ، وأمرهم بالترحّل ، فامتنعوا وتجمعوا ، فخرج قماج إليهم في عشرة آلاف ، فهزموه ، ونهبوا عسكره وأمواله ، وأكثروا القتل في العسكر والرعايا ، وأسروا النساء والأطفال ، وقتلوا الفقهاء ، وعملوا العظائم ، وخرّبوا المدارس ، وانهزم قماج إلى مَرو .
وأرسل السلطان سنجر يتهددهم ، فاعتذروا ، وبذل له مالاً ، فلم يُجبهم ، وجمع عساكر من النواحي ، فاجتمع معه ما يلزمه على مائة ألف فارس ، والتقاهم فهزموه ، وتبعوا عسكره قتلاً وأسراً ، فصارت قتلى العسكر كالتلال . وقُتل الأمير علاء الدين قماج وأُسر السلطان وجماعة من أمرائه ، فضربوا رقاب الأمراء . ونزل أمراء الغُزّ ، فقبّلوا الأرض بين يدي سنجر ، وقالوا : نحن عبيدك ، ولا نخرج عن طاعتك ، فقد علمنا أنك لم تُرد قتالنا ، وإنما حُملت عليه ، فأنت السلطان ، ونحن العبيد ، فمضى على ذلك شهران أو ثلاثة ، ودخلوا معه إلى مرو ، وهي كرسي المُلك ، فطلبها منه بختيار إقطاعاً ، فقال : هذه دار المُلك ، لا ينبغي أن يكون إقطاعاً لأحد .
فصفا له وأخذه ، فلما رأى ذلك ، نزل عن سريره ، ثم دخل خانكاه مروه ، وتاب من الملك ، واستولى الغُزّ على البلاد ، وظهر من جورهم ما لم يُسمع بمثله ، وولّوا على نيسابور والياً ، فعلّق في السوق ثلاث غرائر ، وقال : أريد ملء هذه ذهباً ، فثار عليه العامة فقتلوه ، وقتلوا من معه ، فركبت الغز ، ودخلوا بلد نيسابور ، ونهبوها ، وقتلوا الكبار والصغار ، وأحرقوها ، وقتلوا القُضاة والعلماء في البلاد كلها . ويتعذّر وصف ما جرى منهم على تلك البلاد ، ولم يسلم منهم شيء سوى هَراة ودهسان ، فامتنعت بحصانتها .
تاريخ الإسلام — صفحة 38
مساهمون: الذهبي
ص٣٨