تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
عن مدة قريبة ، وصار أنظر أهل زمانه ، وواحد أقرانه ، وأعاد للطلبة ، وأخذ في التصنيف والتعليق . وكان الإمام أبو المعالي مع علو درجته وفرط ذكائه ، لا يطيب له تصديه للتصنيف ، وإن كان في الظاهر مبتهجاً به . ثم إن أبا حامد خرج إلى المعسكر ، فأقبل عليه نظام الملك ، وناظر الأقران بحضرته ، فظهر اسمه ، وشاع أمره ، فولاه النظام تدريس مدرسته ببغداد ، ورسم له بالمصير إليها ، فقدمها ، وأعجب الكل مناظرته . وما لقي الرجل مثل نفسه . ثم أقبل على علم الأصول ، وصنف فيها وفي المذهب والخلاف ، وعظمت حشمته ببغداد ، حتى كانت تغلب حشمة الأمراء والأكابر ، فآنقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة ، وممارسة التصانيف طريق التزهد والتأله فترك الحشمة ، وطرح الرتبة ، وتزود للمعاد ، وقصد بيت الله ، وحج ، ورجع على طريق الشام ، وزار القدس ، وأقام بدمشق مدة سنين ، وصنف بها إحياء علوم الدين وكتاب الأربعين ، والقسطاس ، ومحك النظر ، وغير ذلك . ) وأخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق ، وتهذيب الباطن ، وآنقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرئاسة والتخلق بالأخلاق الذميمة ، إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم ، وتزيا بزي الصالحين . ثم عاد إلى وطنه ، لازماً بيته ، مشتغلاً بالتفكير ، ملازماً للوقت ، فبقي على ذلك مدة . وظهرت له التصانيف . ولم يبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ، ولا آعتراض لأحد على مآثره ، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الملك ، وقد سمع وتحقق بمكان أبي حامد وكمال فضله ، فحضره وسمع كلامه ، فطلب منه أن لا تبقى أنفاسه وفوائده عقيمة ، لا آستفادة منها ولا آقتباس من أنوارها ، وألح عليه كل الإلحاح ، وتشدد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج ، وقدم نيسابور . وكان الليث غائباً عن عرينه ، والأمر خافياً في مستور قضاء الله ومكنونه . ورسم