تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وحمله على الإعراض عما سواه ، حتى سهل ذلك عليه . وهكذا إلى أن آرتاض كل الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنا نظن به ناموساً وتخلقاً ، طبعاً وتحققاً . وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى . ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور . فقال معتذراً : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفعة الطالبين ، وقد خف علي أن أبوح بالحق ، وأنطق به ، وأدعو إليه . وكان صادقاً في ذلك . فلما خف أمر الوزير ، وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه وحشمة ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، وآتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم ، وخانقاه للصوفية ، ووزع أوقاته على وظائف الحاضرين ، من ختم القرآن ، ومجالسته أصحاب القلوب ، والقعود للتدريس لطالبه ، إلى أن توفاه الله بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والساعين به إلى الملوك ، وكفاية الله إياه ، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات ، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات . وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومجالسة أهله ، ومطالعة الصحيحين . ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام . ولم يتفق له أن يروي ، ولم يعقب إلا البنات . وكان له من الأسباب إرثاً وكسباً ما يقوم بكفايته ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها . ومما كان يعترض به عليه ، وقوع خلل من جهة النحو يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، وآعترف بأنه ما مارسه ، وآكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنه كان يؤلف الخطب ، ويشرح الكتب بالعبارة التي يعجز الأدباء والفقهاء عن أمثالها .
تاريخ الإسلام — صفحة 118 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري