الجرجانيّ القاضي بالبصرة قال : كان أبو إسحاق لا يملك شيئاً من الدّنيا ، فبلغ به الفقر حتّى كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً . ولقد كنّا نأتيه وهو ساكن في القطيعة ، فيقوم لنا نصف قومة ، كي لا يظهر منه شيءٌ من العري . وكنت أمشي معه ، فتعلَّق بنا باقلاّنيّ وقال : يا شيخ ، أفقرتني وكسرتني ، وأكلت رأس مالي ، إدفع إليَّ ما لي عندك .
فقلنا : وكم لك عنده قال : أظنّه قال : حبتّان من ذهب أو حبتّان ونصف .
وقال أبو بكر محمد بن أحمد ابن الخاضبة : سمعت بعض أصحاب الشّيخ أبي إسحاق يقول : رأيت الشّيخ كان يركع ركعتين عند فراغ كلّ فصل من المهذَّب .
قال : قرأت بخطّ أبي الفتوح يوسف بن محمد بن مقلّد الدّمشقيّ : سمعت الوزير ابن هبيرة : سمعت أبا الحسن محمد بن القاضي أبي يعلى يقول : جاء رجل من ميَّافارقين إلى والدي ليتفقّه عليه ، فقال : أنت شافعيٌّ ، وأهل بلدك شافعيّة ، فكيف تشتغل بمذهب أحمد قال : قد أحببته لأجلك .
فقال : يا ولدي ما هو مصلحة . تبقى وحدك في بلدك ما لك من تذاكره ، ولا تذكر له درساً ، وتقع بينكم خصومات ، وأنت وحيد لا يطيب عيشك .
فقال : إنّما أحببته وطلبته لما ظهر من دينك وعلمك .
قال : أنا أدلّك على من هو خيرٌ منّي ، الشّيخ أبو إسحاق .
فقال : يا سيدّي ، إنّي لا أعرفه .
فقال : أنا امضي معك إليه . )
تاريخ الإسلام — صفحة 157
مساهمون: الذهبي
ص١٥٧