تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
يحدث أن الراضي بالله قطع لسان أبيه قبل موته وقتله بالجوع . قال : وكان سبب ذلك أن الراضي تندم على قطع يده ، واستدعاه من الحبس واعتذر إليه . وكان بعد ذلك يشاوره في الأمر بعد الأمر ، ويعمل برأيه ويخلو به ، ورفهه في محبسه ، ونادمه سراً على النبيذ ، وأنس به ونبل في نفسه ، وزاد ندمه على قطع يده . فبلغ ابن رائق ، فقامت قيامته ، فدس إلى الخليفة من أشار عليه بأن لا يدنيه ، وقال له : إن الخلفاء كانت إذا غضبت لم ترض ، وهذا قد أوحشته فلا تأمنه على نفسك . فقال : هذا محال ، فهو قد بطل عن أن يصلح لشيء ، وإنما تريدون أن تحرموني الأنس به . ) فقيل له : ليس الأمر كما يقع لك ، وهو لو طمع في أنك تستوزره لكلمك ، فإن شئت فأطمعه في الأمر حتى ترى فقد كان أبي يتعاطى أن يكتب باليسرى ، فجاء خطه أحسن من كل خط ، لا يكاد أن يفرق بينه وبين خطه باليمين ، وجاءتني رقعه مرات من الحبس باليسرى ، فما أنكرته . قال : وتوصل ابن رائق إلى قومٍ من الخدم بأن يقولوا لابن مقلة أن الخليفة قد صح رأيه على استيزارك ، وسيخاطبك على هذا ، وبشرناك بهذا لنستحق البشارة عليك . فلم يشك في الأمر وقالوا هم للراضي : جربه وخاطبه بالوزارة لترى ما يجيبك به . فخاطبه بذلك ، فأراه أبي نفوراً شديداً وقصوراً عنه . فأخذ الراضي يحلف له على صحة ما في نفسه من تقليده ولو علم أن فيه بقية لذلك وقياماً به . فقال : يا أمير المؤمنين إذا كان الأمر هكذا فلا يغمك الله بأمر يدي ، فإن مثلي لا يراد منه إلا لسانه ورأيه وهما باقيان . وأما الكتابة فلو كنت باطلاً منها لما ضرني ذلك ، وكان كاتب ينوب عني . ولست أخلو من القدرة على تعليم العلامات باليسرى . ولو أنها ذهبت اليسرى أيضاً حتى أحتاج أن أشد قلماً على اليمنى لكنت أحسن خطاً . فلما سمع ذلك تعجب واستدعى دواةً فكتب باليسرى خطاً لا يشك أنه خطه القديم ، ثم شد على يمينه بالقلم . فكتب به في غاية الحسن . فقامت قيامة الراضي واشتد خوفه منه . فلما قام إلى محبسه أمر أن تنزع ثيابه عنه ، وأن يقطع
تاريخ الإسلام — صفحة 245 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري