وقالوا للجنيد ، فأنكر عليهم وقال : لا يقولوا مثل هذا لأبي الحسين ، ولكنه رجل لعله قد تغير دماغه .
ثم إنه انقبض عن جميعهم ، وأظهر لمن لقيه منهم الجفاء ، وغلبت عليه العلة وعمي ، ولزم الصحارى والمقابر .
وكانت له في ذلك أحوال يطول شرحها .
وسمعت جماعة يقولون : من رأى النوري بعد قدومه من الرقة ولم يكن رآه قبلها ، فكأنه لم يره لتغيره ، رحمه الله .
قال ابن جهضم : حدثني أبو بكر الخلال قال : كان أبو الحسين النوري إذا رأى منكراً غيره ، ولو كان فيه تلفه . فنزل يوماً يتوضأ ، فرأى زورقاً فيه ثلاثون دناً . فقال للملاح : ما هذه فقال : ما يلزمك . فألح عليه فقال : أنت والله صوفي كثير الفضول ، هذا خمر للمعتضد .
فقال : أعطني ذلك المدري ، فاغتاط وقال لأجيره : ناوله حتى أبصر ما يصنع . فأخذه ، ولم يزل يكسرها دناً دناً . فلم يترك إلا واحداً ، فأخذ النوري ، وأدخل إلى المعتضد ، فقال : من أنت ويلك قال : قلت : محتسب .
قال : ومن ولاك الحسبة قلت : الذي ولاك الإمامة يا أمير المؤمنين .
فأطرق ثم قال : ما حملك على ما صنعت قلت : شفقة مني عليك .
قال : كيف خلص هذا الدن فذكر النوري ما معناه أنه كان يكسر الدنان ونفسه مخلصة ، فلما وصل إلى هذا الدن أعجبته نفسه ، فارتاب في إخلاصه ، فترك الدن .
تاريخ الإسلام — صفحة 71
مساهمون: الذهبي
ص٧١