والقارعة تأكيد لفظي للأولى . وقرأ الجمهور : * ( يَوْمٍ ) * بالنصب ، وهو ظرف ، العامل فيه ، قال ابن عطية : القارعة . فإن كان عنى بالقارعة اللفظ الأول ، فلا يجوز للفصل بين العامل ، وهو في صلة أل ، والمعمول بالخبر ؛ وكذا لو صار القارعة علماً للقيامة لا يجوز أيضاً ، وإن كان عنى اللفظ الثاني أو الثالث ، فلا يلتئم معنى الظرف معه . وقال الزمخشري : الظرف نصب بمضمر دل عليه القارعة ، أي تقرع يوم يكون الناس . وقال الحوفي : تأتي يوم يكون . وقيل : اذكر يوم . وقرأ زيد بن عليّ : يوم يكون مرفوع الميم ، أي وقتها . * ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) * ، قال قتادة : هو الطير الذي يتساقط في النار . وقال الفراء : غوغاء الجراد ، وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض يركب بعضه بعضاً من الهول . وقيل : الفراش طير دقيق يقصد النار ، ولا يزال يتقحم على المصباح ونحوه حتى يحترق . شبهوا في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والمجيء والذهاب على غير نظام ، والتطاير إلى الداعي من كل جهة حتى تدعوهم إلى ناحية المحشر ، كالفراش المتطاير إلى النار . قال جرير :
* إن الفرزدق ما علمت وقومه
*
مثل الفراش عشين نار المصطلي
*
وقرن بين الناس والجبال تنبيهاً على تأثير تلك القارعة في الجبال حتى صارت كالعهن المنفوش ؛ فكيف يكون حال الإنسان عند سماعها ؟ وتقدم الكلام في الموازين وثقلها وخفتها في الأعراف ، وعيشة راضية في إلحاقة . * ( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) * : الهاوية دركة من دركات النار ، وأمه معناه مأواه ، كما قيل للأرض أم الناس لأنها تؤويهم ، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب : فنحن بنوها وهي أمنا . وقال قتادة وأبو صالح وغيره : فأم رأسه هاوية في قعر جهنم لأنه يطرح فيها منكوساً . وقيل : هو تفاؤل بشر ، وإذا دعوا بالهلكة قالوا هوت أمه ، لأنه إذا هوى ، أي سقط وهلك فقد هوت أمه ثكلاً وحزناً . قال الشاعر :
* هوت أمه ما نبعث الصبح غاديا
*
وماذا يرد الليل حين يؤون
*
وقرأ الجمهور : * ( فَأُمُّهُ ) * بضم الهمزة ، وطلحة بكسرها . قال ابن خالويه : وحكى ابن دريد أنها لغة . وأما النحويون فإنهم يقولون : لا يجوز كسر الهمزة إلا أن يتقدمها كسرة أو ياء ، انتهى . * ( وَمَا أَدْرَاكَ ) * : هي ضمير يعود على هاوية إن كانت كما قيل دركة من دركات النار معروفة بهذا الاسم ، وإن كانت غير ذلك مما قيل فهي ضمير الداهية التي دل عليها قوله : * ( مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) * ، والهاء فيما هيه هاء السكت ، وحذفها في الوصل ابن أبي إسحاق والأعمش وحمزة ، وأثبتها الجمهور : * ( نَّارٍ ) * : خبر مبتدأ محذوف ، أي هي نار ، أعاذنا الله منها بمنه وكرمه .
تفسير البحر المحيط — صفحة 504
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٥٠٤