تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
بتقديره فاطلع الاطلاع ، أو حرف الجر المحذوف ، أي فاطلع به ، لأنه اطلع لازم ، كما أن أقبل كذلك . انتهى . وقد ذكرنا أن أطلع عدى بالهمزة من طلع اللازم ، وأما قوله : أو حرف الجر المحذوف ، أي فاطلع ، به فهذا لا يجوز ، لأن مفعول ما لم يسم فاعله لا يجوز حذفه ، لأنه نائب عن الفاعل . فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه دون عامله ، فكذلك هذا . لو قلت : زيد ممدود أو مغضوب ، تريد به أو عليه ، لم يجز . و * ( سَوَاء الْجَحِيمِ ) * : وسطها ، تقول : تعبت حتى انقطع سوائي . قال ابن عباس : سمي سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب ، يعني سواء الجحيم . وقال خليل العصري : رآه : تبدلت حاله ، فلولا ما عرفه الله به لم يعرفه ، قال له عند ذلك : * ( تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ) * : أي لتهلكني بإغوائك . وإن مخففة من الثقيلة ، يلقي بها القسم ؛ وتالله قسم فيه التعجب من سلامته منه إذا كان قرينه قارب أن يرديه . * ( وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّى ) * : وهي توفيقه للإيمان والبعد من قرين السوء ، * ( لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) * للعذاب ، كما أحضرته أنت . * ( أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ ) * ، قرأ زيد بن عليّ : بمائتين ، والظاهر أنه من كلام القائل : يسمع قرينه على جهة التوبيخ له ، أي لسنا أهل الجنة بميتين ، لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا ، بخلاف أهل النار ، فإنهم في كل ساعة يتمنون فيها الموت . * ( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) * ، كحال أهل النار ، بل نحن منعمون دائماً . ويكون في خطابه ذلك منكلاً له ، مقرعاً محزناً له أنعم الله به عليه من دخول الجنة ، معلماً له بتباين حاله في الآخرة بحاله . كما كانتا تتباينان في الدنيا من أنه ليس بعد الموت جزاء ظهر له خلافه ، يعذب بكفره بالله وإنكار البعث . ويجوز أن يكون خطاباً من القائل لرفقائه ، لما رأى ما نزل بقرينه ، وقفهم على نعمه تعالى في ديمومة خلودهم في الجنة ونعيمهم فيها . ويتصل قوله : * ( إِنَّ هَذَا ) * إلى قوله : * ( الْعَامِلُونَ ) * بهذا التأويل أيضاً ، لا واضحاً خطاباً لرفقائه . ويجوز أن يكون تم كلامه عند قوله : * ( لَتُرْدِينِ ) * ، ويكون * ( أَفَمَا نَحْنُ ) * إلى * ( بِمُعَذَّبِينَ ) * من كلامه وكلام رفقائه ، وكذلك * ( إِنَّ هَذَا ) * إلى * ( الْعَامِلُونَ ) * : أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه من النعيم والنجاة من النار . وقيل : هو من قول الله تعالى ، تقريراً لقولهم وتصديقاً له وخطاباً لرسول الله وأمّته ، ويقوي هذا قوله : * ( لِمِثْلِ هَاذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) * ، والآخرة ليست بدار عمل ، ولا يناسب ذلك قول المؤمن في الآخرة إلا على تجوز ، كأنه يقول : لمثل هذا ينبغي أن يعمل العاملون . وقال الزمخشري : الذي عطف عليه الفاء محذوف معناه : أنحن مخلدون ؟ أي منعمون ، فما نحن بميتين ولا معذبين . انتهى . وتقدم من مذهبه أنه إذا تقدمت همزة الاستفهام ، وجاء بعدها حرف العطف بضمير ما ، يصح به إقرار الهمزة والحرف في محلهما اللذين وقعا فيهما ، ومذهب الجماعة أن حرف العطف هو المقدم في التقدير ، والهمزة بعده ، ولكنه لما كانت الهمزة لها صدر الكلام قدمت ، فالتقدير عند الجماعة . فأما وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة ، وتقدم الكلام معه في ذلك . * ( أَذالِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ * رُءوسُ * الشَّياطِينِ * فَإِنَّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْ ضَالّينَ * فَهُمْ عَلَىءاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الاْوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَقَدْ * نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاْخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِى الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاْخَرِينَ ) * . لما انقضت قصة المؤمن وقرينه ، وكان ذلك على سبيل الاستطراد من شيء إلى شيء ، عاد إلى ذكر الجنة والرزق الذي أعده الله فيها لأهلها فقال : أذلك الرزق * ( خَيْرٌ نُّزُلاً ) * ؟ والنزل ما يعد للأضياف ، وعادل بين ذلك الرزق وبين * ( شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) * .