النفي بلا وهو الصحيح ، والاستدلال عليه مذكور في النحو . وبدأ تعالى بنفي اختراعهم وخلقهم أقل المخلوقات من حيث أن الاختراع صفة له تعالى ثابتة مختصة لا يشركه فيها أحد ، وثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز وهو أمر سلب * ( الذُّبَابُ ) * وعدم استنقاذ شيء مما * ( يَسْلُبْهُمُ ) * وكان الذباب كثيراً عند العرب ، وكانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك . وعن ابن عباس : كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من الكوى فيأكله . وموضع * ( وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ ) * قال الزمخشري : نصب على الحال كأنه قال مستحيل : أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه ، وتعاونهم عليه انتهى .
وتقدم لنا الكلام على نظير * ( وَلَوْ ) * هذه ، وتقرر أن الواو فيه للعطف على حال محذوفة ، كأنه قيل * ( لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً ) * على كل حال ولو في هذه الحال التي كانت تقتضي أن يخلقوا لأجل اجتماعهم ، ولكنه ليس في مقدورهم ذلك .
* ( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) * قال ابن عباس : الصنم والذباب ، أي ينبغي أن يكون الضم طالباً لما سلب من طيبهم على معهود الأنفة في الحيوان . وقيل * ( * المطلوب ) * الآلهة و * ( ضَعُفَ الطَّالِبُ ) * الذباب فضعف الآلهة أن لا منعة لهم ، وضعف الذباب في استلابه ما على الآلهة . وقال الضحاك : العابد والمعبود فضعف العابد في طلبهم الخير من غير جهته ، وضعف المعبود في إيصال ذلك لعابده . وقال الزمخشري : وقوله * ( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) *
. وقيل : معناه التعجب أي ما أضعف الطالب والمطلوب .
* ( مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) * أي ما عرفوه حق معرفته منافيتين لصفات آلهتهم من القوة والغلبة حيث عبدوا من هو منسلخ عن صفاته وسموه باسمه ، ولم يؤهلوا خالقهم للعبادة ثم ختم بصفتين منافيتين لصفات آلهتهم من القوة والغلبة * ( اللَّهُ يَصْطَفِى ) * الآية نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة * ( عَلَيْهِ الذّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل ) * الآية ، وأنكروا أن يكون الرسول من البشر فرد الله عليهم بأن رسله ملائكة وبشر ، ثم ذكر أنه عالم بأحوال المكلفين لا يخفى عليه منهم شيء وإليه مرجع الأمور كلها .
ولما ذكر تعالى أنه اصطفى رسلاً من البشر إلى الخلق أمرهم بإقامة ما جاءت به الرسل من التكاليف وهو الصلاة قيل : كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويرجعون بلا سجود ، فأمروا أن تكون صلاتهم بكوع وسجود واتفقوا على مشروعية السجود في آخر آية * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ ) * وأما في هذه الآية فمذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا يسجد فيها ، ومذهب الشافعي وأحمد أنه يسجد فيها وبه قال عمر وابنه عبد الله وعثمان وأبو الدرداء وأبو موسى وابن عباس * ( وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ) * أي افردوه بالعبادة * ( وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ ) * قال ابن عباس : صلة الأرحام ومكارم الأخلاق ، ويظهر في هذا الترتيب أنهم أمروا أولاً بالصلاة وهي نوع من العبادة ، وثانياً بالعبادة وهي نوع من فعل الخير ، وثالثاً بفعل الخير وهو أعم من العبادة فبدأ بخاص ثم بعام ثم بأعم .
* ( وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ ) * أمر بالجهاد في دين الله وإعزاز كلمته يشمل جهاد الكفار والمبتدعة وجهاد النفس . وقيل : أمر بجهاد الكفار خاصة * ( حَقَّ جِهَادِهِ ) * أي استفرغوا جهدكم وطاقتكم في ذلك ، وأضاف الجهاد إليه تعالى لما كان مختصاً بالله من حيث هو مفعول لوجهه ومن أجله ، فالإضافة تكون بأدنى ملابسة . قال الزمخشري : ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله :
ويوم شهدناه سليماً وعامراً
انتهى . يعني بالظرف الجار والمجرور ، كأنه كان الأصل حق جهاد فيه فاتسع بأن حذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى الضمير . و * ( حَقَّ جِهَادِهِ ) * من باب هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وعالم جداً . وعن مجاهد والكلبي أنه منسوخ بقوله * ( فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) * .
* ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) * أي اختاركم لتحمل
تفسير البحر المحيط — صفحة 360
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٦٠