تكليفاته وفي قوله * ( هُوَ ) * تفخيم واختصاص ، أي هو لا غيره . * ( مِنْ حَرَجٍ ) * من تضييق بل هي حنيفية سمحة ليس فيها تشديد بني إسرائيل بل شرع فيها التوبة والكفارات والرخص . وانتصب * ( مّلَّةَ أَبِيكُمْ ) * بفعل محذوف ، وقدره ابن عطية جعلها * ( مِلَّةَ ) * وقال الزمخشري : نصب الملة بمضمون ما تقدّمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه أو على الاختصاص أي أعني بالدين * ( مّلَّةَ أَبِيكُمْ ) * كقوله : الحمد لله الحميد ، وقال الحوفي وأبو البقاء : اتبعوا ملة إبراهيم . وقال الفراء : هو نصب على تقدير حذف الكاف ، كأنه قيل كلمة * ( أَبِيكُمْ ) * بالإضافة إلى أبيه الرسول ، وأمة الرسول في حكم أولاده فصارا بالأمته بهذه الوساطة . وقيل : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب طلب الأكثر فأضيف إليهم . وجاء قوله * ( مِلَّةَ ) * * ( إِبْرَاهِيمَ ) * باعتبار عبادة الله وترك الأوثان وهو المسوق له الآيات المتقدمة ، فلا يدل ذلك على الاتباع في تفاصيل الشرائع .
والظاهر أن الضمير في * ( هُوَ سَمَّاكُمُ ) * عائد على * ( إِبْرَاهِيمَ ) * وهو أقرب مذكور ولكل نبيّ دعوة مستجابة ودعا إبراهيم فقال * ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) * فاستجاب الله له فجعلها أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وقاله ابن زيد والحسن . وقيل : يعود * ( هُوَ ) * إلى الله وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك . وعن ابن عباس : إن الله * ( سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ) * أي في كل الكتب * ( وَفِى هَاذَا ) * أي القرآن ، ويدل على أن الضمير لله قراءة أبيّ الله سماكم . قال ابن عطية : وهذه اللفظة يعني قوله * ( وَفِى هَاذَا ) * تضعيف قول من قال الضمير لإبراهيم ، ولا يتوجه إلاّ على تقدير محذوف من الكلام مستأنف انتهى . وتقدير المحذوف وسميتم في هذا القرآن المسلمين ، والمعنى أنه فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم .
* ( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ) * أنه قد بلغكم * ( وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) * بأن الرسل قد بلغتهم ، وإذ قد خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلاّ منه فهو خير مولى وناصر . وعن قتادة أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلاّ نبي . قيل للنبي : أنت شهيد على أمتك . وقيل له : ليس عليك حرج . وقيل له : سل تعط . وقيل : لهذه الأمة : * ( وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) * وقيل لهم * ( مَّا جَعَلَ * عَلَيْكمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ ) * وقيل لهم * ( ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) * * ( وَاعْتَصِمُواْ ) * قال ابن عباس سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره . وقال الحسن تمسكوا بدين الله .
تفسير البحر المحيط — صفحة 361
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٦١