تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
قصة آدم بخصوصها كتبت قبل خلقه بأربعين سنة ، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طيناً إلى أن نفخت فيه الروح ، فقد ثبت في ( صحيح مسلم ) : أن بين تصويره طيناً ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سننة ، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عموماً قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة . فإن قلت : وقع في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه : أتلومني على أمر قدره لله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ . قلت : تحمل مدة الأربعين سنة على ما يتعلق بالكتابة ، ويحمل الآخر على ما يتعلق بالعلم . قوله : ( فحج آدم موسى ) ، آدم مرفوع بلا خلاف وشذ بعض الناس فقرأه بالنصب على أن آدم المفعول وموسى في محل الرفع على أنه الفاعل ، نقله الحافظ أبو بكر بن الخاصة عن مسعود بن ناصر السجزي الحافظ ، قال : سمعته يقرأ : فحج آدم ، بالنصب قال : وكان قدرياً . وقد روى أحمد من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ : ( فحجه آدم ) ، وهذا يقطع الإشكال فإن رواته أئمة حفاظ ، والزهري من كبار الفقهاء الحفاظ ، ومعنى : فحج أي : غلبه بالحجة ، يقال : حاججت فلاناً فحججته مثل خاصمته فخصمته ، وقال الخطابي : إنا حجه آدم في رفع اللوم إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحداً به . وقال النووي : معناه أنك تعلم أنه مقدر فلا تلمني ، وأيضاً اللوم شرعي لا عقلي ، وإذا تاب الله عليه وغفر له ذنبه زال عنه اللوم فمن لامه كان محجوجاً . قوله : ( ثلاثاً ) أي قال : حج آدم موسى ثلاث مرات ، وفي حديث رواه عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج . ( لقد حج آدم موسى ، لقد حج آدم موسى ، لقد آدم حج موسى ) . فإن قلت : متى كان ملاقاة آدم وموسى ؟ . قلت : قيل يحتمل أن يكون في زمن موسى عليه السلام ، وأحيا الله له آدم معجزة له فكلمه أو كشف له عن قبره فتحدثا ، أو أراه الله روحه كما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ، ليلة المعراج أرواح الأنبياء عليهم السلام ، أو أراه الله في المنام رؤيا ، ورؤيا الأنبياء وحي ، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء ، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي ، أو أن ذلك لم يقع ، وإنما يقع بعد في الآخرة ، والتعبير عنه بلفظ الماضي لأنه محقق الوقوع فكأنه قد وقع . فإن قلت : لم خص موسى عليه السلام ، بالذكر ؟ . قلت : ليكونه أول نبي بعث بالتكاليف الشديدة . فإن قلت : ما وجه وقوع الغلبة لآدم ، عليه السلام ؟ . قلت : لأنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقاً في وقوع ما قدر عليه إلا بإذن من الله ، فيكون الشارع هو اللائم ، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك عارضه بالقدر . فأسكنه ، وقيل : إن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر الكسب ، وقد كان الله تاب عليه فلم يبق إلاَّ القدر ، والقدر لا يتوجه عليه لوم فعل الله ، ولا يسأل عما يفعل . وقيل : إن آدم أب وموسى ابن وليس للابن أن يلوم أباه ، حكاه القرطبي . فإن قلت : فالعاصي اليوم لو قال : هذه المعصية قدرت علي ، فينبغي أن يسقط عنه اللوم . قلت : هو باق في دار التكليف ، وفي لومه زجر له ولغيره عنها ، وأما آدم فميت خارج عن هذه الدار ، فلم يكن في القول فائدة سوى التخجيل ونحوه . قال سُفْيانُ : حدّثنا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم . . مِثْلَهُ . أي : قال سفيان بن عيينة : حدثنا أبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة ، وهذا موصول وهو معطوف على قوله : حفظناه من عمرو وفي رواية الحميدي قال : وحدثنا أبو الزناد ، بإثبات الواو ، وهي أظهر في المراد ، وقيل : أخطأ من زعم أن هذا الطريق معلق ، وقد أخرجه الإسماعيلي منفرداً بعد أن ساق طريق طاووس عن جماعة عن سفيان ، فقال : أخبرنيه القاسم يعني ابن زكريا حدثنا إسحاق بن حاتم العلاف حدثنا سفيان عن عمرو مثله ، سواء ، وزاد : قال : وحدثني سفيان عن أبي الزناد به . 21 ( ( بابٌ لا مانِعَ لِما أعْطَى الله ) ) أي : هذا باب في بيان : لا مانع لما أعطى الله ، ويروى : لما أعطاه الله ، وهذا منتزع من معنى حديث الباب ، فلفظ الحديث : لا مانع لما أعطيت .