تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
أجاب عن هذا السؤال بقوله : ( كذلك الطلاق لا يجوز إلاَّ بكلام ) وهذا الجواب واهٍ جداً لأن بين الكلامين فرقاً عظيماً دقيقاً لا يفهمه كما ينبغي إلاَّ من له دقة نظر ، وذلك أن المراد بالكلام في الطلاق إظهار معناه ، فإن لم يتلفظ بلفظ الطلاق لا يقع شيء ، بخلاف الأخرس ، فإنه ليس له كلام ضرورة ، وإنما له الإشارة ، والإشارة تتضمن وجهين فلم يجز إيجاب الحد بها كالكتابة والتعريض . ألا ترى أن من قال لآخر : وطئت وطأ حراماً . لم يكن قذفاً لاحتمال أن يكون وطئ وطأ شبهة فاعتقد القائل بأنه حرام ؟ والإشارة لا يتضح بها التفصيل بين المعنيين ، ولذلك لا يجب الحد بالتعريض . وقال بعضهم : وأجاب ابن القصار بالنقض عليهم بنفوذ القذف بغير اللسان العربي وهو ضعيف ، ونقض غيره بالقتل فإنه ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ ، ويتميز بالإشارة . وهو قوي ، واحتجوا أيضاً بأن اللعان شهادة ، وشهادة الأخرس مردودة بالإجماع . وتعقب بان مالكاً ذكر قبولها فلا إجماع . وبأن اللعان عند الأكثرين يمين . انتهى . قلت : الإيرادات المذكورة كلها غير واردة . أما الأول : فلأن الشرط التصريح بلفظ الزنا ولا يتأتى هذا كما ينبغي في غير لسان العرب . وأما الثاني الذي قال هذا القائل ، وهو قوي . فأضعف من الأول لأن القتل ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ والجاري مجرى الخطأ والقتل بالسبب ، فالتمييز عن الأخرس فيها متعذر . وأما الثالثفإن شهادة الأخرس مردودة ، فاللعان عندنا شهادة مؤكدة باليمين فلا يحتاج أن يقول بالإجماع لأن شهادته مردودة عندنا سواء كان فيه قول بالقبول أو لا . وأما الرابع ، فقد قلنا : إن اللعان شهدة فلا مشاحة في الاصطلاح . قوله : ( وإلاَّ بطل الطلاق والقذف ) ، يعني : وإن لم يقل بالفرق فلا بد من بطلانهما لأن بطلان القذف فقط . قوله : ( وكذلك العتق ) أي : كذلك حكمه حكم القذف فيجب أيضاً أن تبطل إشارته بالعتق ، ولكنهم قالوا بصحته . قوله : ( وكذلك الأصم يلاعن ) أي : إذا أشير إليه حتى فهم ، وقال المهلب : في أمره إشكال لكن قد يرتفع بترداد الإشارة إلى أن ينفهم معرفة ذلك . قوله : ( وقال الشعبي ) وهو عامر بن شراحيل ، وقتادة بن دعامة : إذا قال الأخرس لامرأته : أنت طالق فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته واحدة أو ثنتان أو ثلاث ، يعني : إذا عبر عما نواه من العدد بالإشارة يظهر منها ما نواه من واحدة أو أكثر . قوله : ( وقال إبراهيم ) أي النخعي : إذا كتب الأخرس الطلاق بيده لزمه ، وبه قال مالك والشافعي ، وقال الكوفيون : إذا كان رجل أصمت أياماً فكتب لم يجز من ذلك شيء ، وقال الطحاوي : الخرس مخالف للصمت ، كما أن العجز عن الجماع العارض بالمرض يوماً أو نحوه مخالف للعجز المأنوس منه الجماع ، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة . قوله : ( وقال حماد ) أي : ابن أبي سليمان شيخ أبي حينفة رضي الله تعالى عنهما : ( الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز ) أي : إن أشار برأسه فيما يسأل عنه ، وقال بعضهم : كأن البخاري أراد إلزام الكوفيين بقول شيخهم . قلت : لم يدر هذا القائل ما مراد الشيخ من هذا ، ولو عرف لما قال هذا ومراد الشيخ من هذا أن إشارة الأخرس معهودة فأقيمت مقام العبارة ، والكوفيون قائلون به ، فمن أين يأتي إلزمهم ؟ . 0035 حدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللَّيْثُ عنْ يحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنْصارِي أنْهُ سَمِعَ أنَسَ بن مَالِكٍ يَقُولُ : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ألاَ اخبْرِكُمْ بِخَيْرِ دُوِ الأنْصارِ ؟ قالُوا : بَلى يا رسولَ الله ! قال : بَنُو النّجَّارِ ، ثمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ : بَنو عَبْدِ الأشْهَلِ ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ : بَنُو الحارِثِ بنِ الخزْرَجِ ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ : بنُو ساعِدَة ، ثُمَّ قال بِيَدِهِ فَقَبَضَ أصابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كالرَّامِي بِيدِهِ ، ثُمَّ قال : وفِي كلِّ دُورِ الأنْصارِ خَيْرٌ . قيل : هذا الحديث وما بعده لا تعلق له باللعان الذي عقد عليه الترجمة . وأجيب : لعلها كانت متقدمة فأخرها الناسخ عنه . قلت : هذا ليس بشيء ، بل ذكر هذا الحديث والأحاديث الأربعة التي بعدها كلها في الإشارة تحقيقاً لها بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللعان ، والإشارة في هذا الحديث . في قوله : ( ثم قال بيده ) لأن معناه : ثم أشار بيده . والحديث قد مضى في مناقب