تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
بكتابة ، وعند الكشيهني : بكتاب ، بدون التاء إذا فهم الكتابة . قوله : ( أو إشارة ) أي : أو قذفه بإشارة مفهمة أو إيماء مفهم أشار إليه بقوله : ( معروف ) وقيد به لأنه إذا لم يكن معروفاً منه ذلك لا يبنى عليه حكم . والفرق بين الإشارة والإيماء بأن المتبادر إلى الذهن في الاستعمال إن الإشارة باليد والإيماء بالرأس أو الجفن ونحوه . قوله : ( فهو كالمتكلم ) جواب : ( فإذا قذف ) أي : فحكمه حكم المتكلم ، يعني : حكم الناطق به ، وإنما أدخل الفاء لتضمن إذا معنى الشرط ، وهو قوله : معروف ، وهو وإن كان صفة لقوله أو إيماء ، بحسب الظاهر ولكنه في نفس الأمر يرجع إلى الكل لأنه إذا لم يفهم الكتابة أو الإشارة أو الإيماء لا يبنى عليه حكم ، ثم إنه إذا كان كالمتكلم يكون قذفه بهذه الأشياء معتبر فيترتب عليه اللعان وحكمه . قوله : ( لأن النبي صلى الله عليه وسلم ) ، أشار به إلى الاستدلال بما ذكره بيانه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أجاز الإشارة في الفرائض ) أي : في الأمور المفروضة كما في الصلاة فإن العاجز عن غير الإشارة يصلي بالإشارة قوله : ( وهو قول بعض أهل الحجاز ) أي : ما ذكر من قذف الأخرس . . . إلى آخره قول بعض أهل الحجاز ، وأراد به الإمام مالكاً ومن تبعه فيما ذهب إليه . قوله : ( وأهل العلم ) أي : وبعض أهل العلم من غير أهل الحجاز ، وممن قال من أهل العلم وأبو ثور فإنه ذهب إلى ما قاله مالك . قوله : ( قال الله تعالى : * ( فأشارت إليه ) * ) ( مريم : 92 ) إلى قوله : ( إلاَّ إشارة ) استدلال من البخاري لقول بعض أهل الحجاز بقوله تعالى : * ( فأشارت إليه ) * أي : أشارت مريم إلى عيسى عليه الصلاة والسلام ، وقالت لقومها بالإشارة لما قالوا لها : * ( لقد جئت شيئاً فريا ) * ( مريم : 72 ) كلموا عيسى وهو في المهد * ( قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) * ( مريم : 92 ) فعرفوا من إشارتها ما كانوا عرفوه من نطقها . قوله : ( وقال الضحاك إلا رمزاً إلاَّ إشارة ) هذا استدلال آخر بقوله تعالى : * ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلاَّ رمزاً ) * ( آل عمران : 14 ) وحكى عن الضحاك بن مزاحم قال بعضهم : كذا ابن مزاحم ، وقال الكرماني : الضحاك بن شراحيل الهمداني التابعي المفسر ، قلت : الضحاك بن مزاحم أبو القاسم الهلالي الخراساني كان يكون بسمرقند وبلخ ونيسابور ، روى عن جماعة من الصحابة : ابن عباس وابن عمرو وزيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري ولم يثبت سماعه منهم ، ووثقه يحيى بن معين ، وقال أبو زرعة : ثقة كوفي مات سنة خمس ومائة ، وروى له الترمذي وابن ماجة ، وفسر قوله : ( إلاَّ رمزاً ) ، بقوله : ( إلاَّ إشارة ) ولولا أنه يفهم منها ما يفهم من الكلام لم يقل الله عز وجل لا تكلمهم إلاَّ رمزاً ، وهذا في قضية زكريا عليه الصلاة والسلام ، ولما قال الله تعالى : * ( يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) * ( مريم : 7 ) . فقال : يا رب * ( أنى يكون لي غلام ) * إلى قوله : قَالَ رَبِّ اجْعَل لِىءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ) * ( مريم : 8 01 ) وذكر في سورة آل عمران قال : * ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ) * ( آل عمران : 14 ) وفسره الضحاك بقوله : ( إلاَّ إشارة ) قوله : ( وقال بعض الناس ) أراد به الكوفيين لأنه لما فرغ من الاحتجاج لكلام أهل الحجاز شرع في بيان قول الكوفيين في قذف الأخرس . وقال الكرماني : قوله : بعض الناس ، يريد به الحنفية ، حيث قالوا لا حدّ بن علي الأخرس لأنه لا اعتبار لقذفه ولا لعان عليه ، وقال صاحب ( الهداية ) : قذف الأخرس لا يتلق به اللعان لأنه يتعلق بالصريح كحد القذف ، ثم قال : ولا يعتد بالإشارة في القذف لانعدام القذف صريحاً . ثم قال : وطلاق الأخرس واقع بالإشارة لأنها صارت معهودة ، فأقيمت مقام العبارة دفعاً للحاجة . قوله : ( ثم زعم . . ) الخ أي : ثم زعم بعض الناس وأراد بهم الحنفية ، وقيل : ثم زعم ، أي : أبو حنيفة ، لأن مراده من قوله : وقال بعض الناس ، هو أبو حنيفة ، وأشار بهذا الكلام إلى أن ما قاله الحنفية من ذلك تحكم لأنهم قالوا : إلا اعتبار لقذف الأخرس واعتبروا طلاقه ، فهو فرق بدون الافتراق وتخصيص بلا اختصاص ، وأجابت الحنفية : بأن صحة القذف تتعلق بصريح الزنا دون معناه ، وهذا لا يحصل من الأخرس ضرورة فلم يكن قاذفاً ، والشبهة تدرأ الحدود . قوله : ( وليس بين الطلاق والقذف فرق ) . من كلام البخاري ، ودعوى عدم الفرق بينهما ممنوعة لأن لفظ الطلاق صريح في أداء معناه ، بخلاف القذف فإنه إن لم يكن فيه التصريح بالزنا لا يترتب عليه شيء ، والفرق بينهما ظاهر لفظاً ومعنًى . قوله : ( فإن قال : القذف لا يكون إلاَّ بكلام ؟ ) أي : فإن قال ذلك البعض المذكور في قوله : وقال بعض الناس ، هذا سؤال يورده البخاري من جهة البعض من الناس بن علي قوله : فإذا قذف الأخرس . . الخ ، بيان السؤال ، إذا قالوا : القذف لا يكون إلاَّ بكلام وقذف الأخرس ليس بكلام فلا يترتب عليه حدّ ولا لعان ، ثم