[
كلمة 82 ] وسواسٌ
و من النَّاس من يشكو دهرَه و يعيب زمانَه ، كأنّه حسب أن الدّهر صَرَفَهُ عن الكمال أو الزّمان أوقعه في النّكال ، و أنّهما كانا فيما مضى من دورات الجنان أو كانا بيد رضوان ، بلى أنّ الدَّهر محلّالحوادث و الغِيَر - و الزَّمانَ محطّ المنُون و العِبَر إلّاأنّ الامُور فيهما متشابهة و كرّ الدّهُور و الأزمنة متقاربة ليس بينها كثير بون و لاتفاوت بيّن في الكون و لا للحال بالإضافة إلى الماضي تهافت
« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ »
. « 1 »
فإن زعم أنّ الأزمنة كانت قبل وجُوده أحسن دائرةً فإنّما غرّه عِظَم مسمُوع الدّنيا بالنِّسبة إلى مُبصَرها بخلاف الآخرة ، و إنْ حَسِب أنّها كانت في أوائل عمره أتمّ نضارةً و أوفر غضارةً فمنشاء هذا الحسبان أنّ المرء إذا جاوز مقام الّتمييز و التّبيين و فرق بين الغث و السّمين و أخذ إلى الشَّيب في التّقارب و حصل له العبر و التّجارب ، فإنّه يظنّ أنّ الزَّمان قد تغيّر و فسد ، و سُوق الدّهر قد خرب و كسد ، و مزاجها قد انحرف عن الاعتدال و سعادتهما صغت إلى شقاوة و و بال فجعل يذمّ الزّمان و يقع في الأخوان ، و إنّما التّغيّر فيه و في سيرته من جهة عمارة سريرته و انفتاح بصيرته فليتعوّذ بربّ النّاس
« مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) - الملك : 3 .
( 2 ) - النّاس : 2 - 4 .