تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
( فرضيب القوم وعفوا ) يدل على أن لا صلح فيه ، فمن أين المطابقة ؟ قلت : رواية الفزاري تدل على أن معنى : عفوا ، يعني : عن القصاص ، وفيه الجمع بين الروايتين فافهم . والحديث من ثلاثيات البخاري ، وهي العاشرة منها . ومحمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري ، ولي قضاء البصرة ثم قصاء بغداد أيام الرشيد ، وولد سنة ثماني عشرة ومائة ، ومات سنة خمس عشرة ومائتين ، وحميد هو الطويل ، وقد تكرر ذكره . والحديث أخرجه البخاري في التفسير وفي الديات عن الأنصاري تارة مطولاً وتارة مختصراً ، وفي ( صحيح مسلم ) من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس : أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنساناً ، وفيه : فقالت أم الربيع : والله لا تكسر ثنيتها ، وكذا هو في ( سنن النسائي ) فرجح جماعة من العلماء رواية البخاري ، وقرر النووي فجعلهما قضيتين ، فينظر ، لأن الأول رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي شيبة في آخرين . ذكر معناه : قوله : ( أن الرُّبَيْعَ ) ، بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة وفي آخره عين مهملة : بنت النضر ، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة : ابن ضمضم بن زيد بن حرام بن حبيب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية ، وهي عمة أنس بن مالك ، خادم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قوله : ( ثنية جارية ) ، الثنية مقدم الأسنان ، والجارية المرأة الشابة لا الأمة هنا ، ليتصور القصاص بينهما . قوله : ( فطلبوا الأرش ) ، أي : فطلب قوم الربيّع من قوم الجارية أخذ الأرش . قوله : ( وطلبوا العفو ) ، يعني : قالوا : خذوا الأرش أو اعفوا عن هذه ، فأبوا ، يعني : قوم الجارية امتنعوا فلا رضوا بأخذ الأرش ولا بالعفو ، فعند ذلك أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وتخاصموا بين يديه ، فأمرهم النبي ، صلى الله عليه وسلم بالقصاص . قوله : فقال أنس بن النضر ، وهو عم أنس بن مالك ، قتل يوم أحد شهيداً ووجد به بضعة وثمانون من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم ، وفيه نزلت : * ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ) * ( الأحزاب : 32 ) . قوله : ( أتُكسر ؟ ) الهمزة فيه للاستفهام ، وتكسر على صيغة المجهول ، ولم ينكر أنس حكم الشرع ، والظاهر أن ذلك كان منه قبل أن يعرف أن ( كتاب الله القصاص ) وظن التخيير لهم بين القصاص والدية ، أو كان مراده الاستشفاع من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أو قال ذلك توقعاً ورجاء من فضل الله تعالى أن يرضي خصمها ويلقي في قلبه أن يعفو عنها . وقال الطيبي : كلمة : لا ، في قوله : ( لا والله ) ، ليس رداً للحكم بل نفي لوقوعه . ولفظ : ( لا تُكسر ) إخبار عن عدم الوقوع ، وذلك بما كان له عند الله من الثقة بفضل الله ولطفه في حقه أنه لا يخيبه ، بل يلهمهم العفو ، ولذلك قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه ) ، حيث يعلمه من جملة عباد الله المخلصين . قوله : ( كتاب الله القصاص ) ، أي : حكم كتاب الله القصاص على حذف مضاف ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : * ( والجروح قصاص ) * ( المائدة : 54 ) . أو إلى قوله تعالى : * ( والسن بالسن ) * ( المائدة : 54 ) . أو إلى قوله تعالى : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) * ( النحل : 621 ) . أو الكتاب بمعنى الفرض والإيجاب . قوله : ( لأبره ) أي : صدقه ، يقال بر الله قسمه وأبره . قوله : ( زاد الفزاري ) ، بفتح الفاء وتخفيف الزاي والراء ، وهو مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي سكن مكة . شرفها الله ، والفزاري ينسب إلى فزارة بن ذبيان بن بغيص بن ريث بن غطفان ، وتعليق الفزاري أسنده البخاري في تفسير سورة المائدة ، فقال : حدثنا محمد بن سلام عن مروان بن معاوية الفزاري ، فذكره ، والله أعلم . ذكر ما يستفاد منه : فيه : وجوب القصاص في السن ، قال النووي : وهو مجمع عليه إذا قلعها كلها ، وفي كسر بعضها ، وفي كسر العظام خلاف مشهور بين العلماء ، والأكثرون على أنه : لا قصاص قال القرطبي : وذهب مالك إلى أن القصاص في ذلك كله إذا أمكنت المماثلة ، وما لم يكن مخوفاً كعظم الفخذ والصلب أخذاً بقوله تعالى : * ( فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 491 ) . وبقوله تعالى : * ( والسن بالسن ) * ( البقرة : 491 ) . وذهب الكوفيون والليث والشافعي إلى أنه : لا قَوَدَ في كسر العظام ما خلا السن لعدم الثقة بالمماثلة ، وقال أبو داود : قيل لأحمد : كيف يقتص من السن ؟ قال يبرد . وذكر ابن رشد في ( القواعد ) أن ابن عباس روى عنه ( أن لا قصاص في عظم ) ، وكذا عن ابن عمر ، قال : وروي عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( لم يقد من العظم المقطوع في غير المفصل ) إلا أنه ليس بالقوي . وفيه : جواز الحلف فيما يظنه الإنسان . وفيه : جواز الثناء على من لا يخاف عليه الفتنة بذلك . وفيه : دلالة على كرامات الأولياء . وفيه : استحباب العفو عن القصاص والشفاعة فيه . وفيه : إثبات القصاص بين النساء وفي الأسنان . وفيه : فضيلة أنس . وفيه : أن الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه .
عمدة القاري — صفحة 281 | العيني