تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الأصح ، والدليل عليه ما رواه ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير ، قال : قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في المدينة وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية بهدايا زبيب وسمن وقرظ ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها ، فأرسلت إلى عائشة : سلي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : لتدخلها . . . الحديث ، وقد ذكرناه في : باب قبول الهدية من المشركين ، واختلفوا في اسمها ، فقال الأكثرون : إنها قتيلة ، بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف : وقال الزبير بن بكار اسمها قتلة ، بفتح القاف وسكون التاء المثناة من فوق ، وقال الداودي : اسمها أم بكر ، وقال ابن التين : لعله كنيتها ، والصحيح : قتيلة ، بضم القاف على صيغة التصغير ، بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن نصر بن مالك بن حسل ، بكسر الحاء وسكون السين المهملتين : ابن عامر بن لؤي ، وذكرها المستغفري في جملة الصحابة . وقال تأخر إسلامها ، . وقال أبو موسى المديني : ليس في شيء من الحديث ذكر إسلامها . قوله : ( وهي مشركة ) جملة حالية . قوله : ( في عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) ، أي : في زمنه وأيامه ، وفي رواية حاتم : في عهد قريش ، إذ عاقدوا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأراد بذلك ما بين الحديبية والفتح . قوله : ( وهي راغبة ) ، قال بعضهم : أي : في الإسلام ، وقال بعضهم : أي : في الصلة . وفيه نظر لأنها جاءت أسماء ومعها هدايا من زبيب وسمن وغير ذلك . قلت : وفي النظر نظر لأنها ربما كانت تأمل أن تأخذ أكثر مما أهدت . وقال بعضهم : راغبة ، أي : عن ديني ، أي كارهة له ، وعند أبي داود راغمة ، بالميم أي كارهة للإسلام وساخطة علي ، وقال بعضهم : هاربة من الإسلام ، وعند مسلم أو راهبة ، وكان أبو عمرو بن العلاء يفسر قوله : مراغماً بالخروج عن العدو على رغم أنفه ، وقال ابن قرقول : راغبة ، رويناه نصباً على الحال ، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ . وقال ابن بطال : لو أرادت به المضي لقالت مراغمة ، وهو بالباء أظهر ووقع في كتاب ابن التين : داعية ، ثم فسرها بقوله : طالبة ، ويروي معترضة له . ومما يستفاد منه : جواز صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة . وفيه : مستدل لمن رأى وجوب ، النفقة للأب الكافر ، والأم الكافرة على الولد المسلم . وفيه : موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة . وفيه : السفر في زيارة القريب . وفيه : فضيلة أسماء حيث تحرت في أمر دينها ، وكيف لا وهي بنت الصديق وزوج الزبير بن العوام ، رضي الله تعالى عنهم . 03 ( ( بابٌ لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وصَدَقَتِهِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه : لا يحل إلى آخره ، فإن قلت : ليس لفظ : لا يحل ، ولا لفظ يدل عليه في أحاديث الباب ، وكيف يترجم بهذه الترجمة ؟ قلت : قيل : إنه ترجم بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده فيها ، ولكن يعكر عليه بشيئين . الأول : أنه يرى للوالد الرجوع فيما وهبه لولده ، فكيف يقول هنا : لا يحل لأحد أن يرجع في هبته ، والكرة في سياق النفي تقتضي العموم ، وانتهض بعضهم مساعدة له ، فقال : يمكن أن يرى صحة الرجوع له ، وإن كان حراماً بغير عذر . قلت : سبحان الله ما أبعد هذا عن منهج الصواب ، لأنه : كيف يرى صحة شيى مع كونه في نفس الأمر حراماً ؟ وبين كون الشيء صحيحاً ، وبين كونه حراماً ، منافاة ؟ فالصحيح لا يقال له حرام ، ولا الحرام يقال له صحيح . والثاني : أنه قيل في ترجمته بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده ، فإن كانت هذه القوة لدليله بحديث ابن عباس ، فذا لا يدل على عدم الحل لأنا قد ذكرنا في أوائل : باب هبة الرجل لامرأته أن جعله صلى الله عليه وسلم العائد في هبته كالعائد في قيئه ، من باب التشبيه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة لا شرعاً ، فلا يثبت بذلك عدم الحل في الرجوع حتى يقال : لا يحل لأحد أن يرجع في هبته ، وأيضاً كيف تثبت القوة لدليله مع ورود قوله صلى الله عليه وسلم : الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها ، رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ، وأخرجه الدارقطني في ( سننه ) وابن أبي شيبة في مصنفه ، وروى ( عن ابن عباس أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وهب هبة فهو أحق بهبته ، ما لم يثب منها ) . رواه الطبراني ، فإن قال المساعد له : هذان الحديثان لا يقاومان حديثه الذي رواه في هذا الباب . قلت : ولئن سلمنا ذلك ، فما يقول في حديث ابن عمر ، أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) عنه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم قال : من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ورواه الدارقطني أيضاً في سننه ، فإن قال : مساهلة الحاكم في التصحيح مشهورة ، يقال : له حديث ابن عمر صحيح مرفوعاً ، ورواته ثقات ، كذا قال عبد الحق في الأحكام ، وصححه ابن حزم أيضاً ، ففيه الكفاية لمن يهتدي إلى مدارك الأشياء ومسالك الدلائل .